2009.05.26
تهشيم الهوية
تهشيم الهوية
كتب السيد رمضان جربوع في ’فقدان الهوية‘، فكانت مقالته ثاقبةً جامعة، وتابع الدكتور فتحي العكاري ’هكذا ضاعت الهوية‘ فكان مفصِّلاً. موضوع الهوية خطير لأنه يمس عقيدة الأمة ولغتها وتاريخها وذاكرتها الجمعية ونسيج علاقاتها، ويشكّل غاياتها ويحرّك هِمم أبنائها. ويعود إلى ضعف رسوخ الهوية في وجدان الأمة والاستمساك بها جيلا بعد جيل ضعفٌ في الانتماء للوطن والعقيدة والأهل وفي أسباب القوة والمنعة. هوية الأمة هي روحها، وقهرها هو الجائزة الكبرى لقوى العدوان في سعيها إلى تحويل هوية الأمم المستضعفة إلى مزيج من الفولكلور وبقايا حضارات بائدة وطُرفٍ من حياة شعوب قديمة مثل قدماء المصريين أو سكان أوستراليا والأمريكتين الأصليين... هنود حمر.
لذلك كان مناسباً استحضارُ الدكتور فتحي العكاري لبعض من كلمة اللورد توماس ماكولي Lord Macaulay في البرلمان البريطاني سنة 1835.
ماكولي كان عضواً في المجلس الأعلى للهند بين سنتي 1834 و 1838. وأصبح في سنة 1839 وزيراً للحرب.
لقد كان دور ماكولي حاسماً قي إقرار اللغة الإنجليزية بدلاً من لغات مثل العربية والسنسكريتية للتدريس في التعليم العالي في الهند. ولم تكن دوافعه في ذلك خيريةً تستهدف نشر العلوم في المستعمرات، فقد قال في هذا الشأن: "... يجب أن ننشئ طبقةً تكون أداة الوصل بيننا وبين الملايين الذين نحكمهم؛ طبقةً من الأشخاص ذوي الدم واللون الهنديين، ولكنهم إنجليز في ذوقهم وآرائهم وأخلاقهم وعقولهم..."
واللورد ماكولي هو الذي قال في كلمةٍ شهيرة له أمام البرلمان البريطاني ما يلي:
" لقد تنقلتُ بطول الهند وعرضها، فلم أر متسوّلاً أو سارقاً. لقد رأيت في هذه البلاد من الغِنى وسموّ الأخلاق وجوهر الناس ما يجعلني أشك أنه سيكون بإمكاننا أبداً أن نقهر هذه البلاد، ما لم نكسر العمود الفقري لهذه الأمة الذي هو إرثها الروحي والثقافي. ولهذا أقترح أن نُبدل نظامَها التعليمي القديم وثقافتها، ذلك لأنه إذا ما اعتقد الهنود أن كل ما هو أجنبي وإنجليزي شيئٌ جيد وأفضل مما هو عندهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم وثقافتهم الوطنية، وسيصبحون كما نريدهم: أمّةً راضخةً لنا تماماً."
لم تكن لوسائل الإعلام في ذلك الزمان سطوةٌ أو وسيلةٌ تعبُر بها القارات، لذلك كانت لغةُ ساستهم صريحةً ومباشرة، على عكس ما هي عليه في زماننا، متخفّيةً وراء أستار من الكذب والنفاق والخداع، وإن بقيت نوايا أصحابها وغاياتهم من دون اختلاف.
وننظر من حولنا فنجد الكثير مما هو أصيلٌ من مكوّنات الهوية قد أزيح جانبا وحلّ محله الغريب والنقيض والهجين، تماماً مثلما أشار الدكتور فتحي العكاري في أجزاء من مقالته. ونجد من أبناء الأمة نفسها ’الطبقة الأداة‘ التي أشار إليها اللورد ماكولي تُمْعِن في ’العمود الفقري‘ للأمة تكسيراً. مناهجنا التعليمية وبرامجنا التثقيفية والترفيهية و’جامعاتنا‘ الأمريكية التي تقوم بتكوين نخب المستقبل ولغتنا في التعليم والعمل والشارع كلّها شواهد على مدى الجهد القائم لتكسير العمود الفقري للأمة.
باي باي... وغداً من يدري؟.... شالوم؟
01:21 Posted in يوميات | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this | Tags: هوية، جربوع، العكاري، ماكولي، عمود فقري، فقدان



