2009.06.15
تلك أمة قد خلت
تلك أمةٌ قد خلت
تميّزت فترة الأربعينيات من القرن الماضي بحراك سياسي وثقافي واجتماعي بارز وواعد. ولعلّ جمعية عمر المختار كانت التنظيم الأوسع نشاطا والأبعد أثراً في مجمل الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في برقة في تلك الفترة. وكانت نواة الجمعية بمدينة درنة قد أُسست سنة 1943 كجمعية للثقافة والرياضة. أتناول هنا شيئا مما مرّ بين يديّ من خلال مطالعة الجزء الخاص بالنشاط الثقافي من تقرير مقدم لأعضاء مركز الجمعية بدرنة عن نشاطه خلال فترة ثلاث سنوات 1944-1947.
ضمّ النشاط الثقافي المجالات التالية:
- (تسهيل المطالعة): تكونت مكتبة للمطالعة والاستعارة تحوي كتبا قدمها المعهد البريطاني بالقاهرة وأخرى أهداها أعضاء بالجمعية.
- (التعليم ومكافحة الأمية): أنشأت الجمعية فصولا تعليمية ليلية لـ ’الحد من طغيان الأمية وتثقيف الطبقة التي تعرف القراءة والكتابة‘.
- (التمثيل: هذا الفن الجميل.. يُعتبر مدرسةً من الشُّعب العلمية التي تعلّم الكبير والصغير كيف تكون الأخلاق الفاضلة، ويشرح للشعب بالأسلوب الذي يفهمه الأمراض الاجتماعية ويصف علاجها إما في فكاهة مضحكة أو في مأساة محزنة، ولهذا السبب جُعل لهذا الفن فرع قائم بذاته يرأسه الشاب النشيط أنور الطرابلسي. قام هذا الفرع في السنوات الثلاثة بمجهود جبار فأخرج ومثّل لعدة مرات خمس روايات تاريخية وأخلاقية هي: سهاد، خليفة الصياد، الجيل الجديد، أميرة الأندلس، تاجر بغداد.)
- (الندوة الأدبية الليلية):
هذا السرد لنشاطات جمعية عمر المختار في مجالات التعليم والثقافة والأدب والفنون بمدينة درنة في أربعينيات القرن الماضي يبيّن كيف كان الناس في تلك الفترة تواقين للعطاء في سبيل تطوير مجتمعهم وتقدمه، وكيف كان التعليم والثقافة والفنون مجالات يقبل الناس على التزوّد منها، إما لِذاتها أو خدمةً لقضية التقدّم واللحاق بركب من سبقوا. وقد كان جيلهم مؤمناً بأن العلم هو أداة التقدّم والازدهار، فأقبل على التعليم وبجّل المعلّم.
تكوّن قسم الثقافة من: الأديب والمعلم المربي عبد الكريم جبريل رئيساً والشاعر الشيخ محمد الحصادي مستشاراً والأستاذ المعلم منصور الجربي سكرتيراً والأساتذة المعلمون عبد العزيز الجيباني وفؤاد شنيب والسيد الثلثي أعضاءً. وتكوّن فرع التمثيل من أنور الطرابلسي رئيسا وعبد العزيز الجيباني وإبراهيم أسطى عمر كمستشارين فنيين وأحمد غنيم خطاطاً. (... وبعد مدة قصيرة من تكونه، استقال رئيسه بسبب انتقاله من درنة، ثم تلاه السكرتير بالاستقالة. وعلى إثر ذلك رأى مجلس الإدارة تكوين هذا القسم من جديد، غير أنه لم يجد من يقبل رئاسة القسم، فألف من السادة: السيد الثلثي سكرتيراً وعضوية عبد الرازق شقلوف وإبراهيم أسطى عمر وعبد الله سكته ومبارك الجيباني وعبد الحميد بن حليم وفرج بوخشيم وخالد الدجاني وفؤاد شنيب).
كانت الندوة الأدبية "فكرة جميلة طافت برؤوس أعضاء قسم الثقافة أو حلماً لذيذاً داعب خيالهم صيف سنة 1945"، حتى قام أحد أعضاء القسم في إحدى أمسيات شهر نوفمبر 1946 ليقول "بسم الله الرحمن الرحيم نفتتح هذه الليلة عملاً عظيماً سيكون له خطره وأثره في مستقبل البلاد الثقافي والفكري".
تلك كانت أحلام وخيال ذلك الجيل. كان جيلا معطاءً بلا حدود، بذر حبات البذار وتعهّد الزرع وبذل الجهدَ وأفنى العمر في سبيل ثمارٍ تجنيها أجيالٌ من بعده. فهل حملت الأجيال التالية الأمانة؟
01:02 Posted in يوميات | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this | Tags: عمر المختار، أسطى عمر، جمعية، سهاد، خليفة الصياد، جبريل، مناظرة



