2009.06.12
عمالتنا
عمالتنا أمضى أسلحتهم
كثيرا ما نُتهم بأننا لا نقرأ ولا نسمع. ولا عذر لنا في ذلك، فالعالم كتاب مفتوح في عصرنا هذا. وسائل الإعلام والمنظمات المدنية (في الغرب تحديداً) والمجموعات الهامشية النشطة، والتفاعل المفتوح بين مختلف التيارات والاتجاهات، والنجاحات التي حققها المنادون بشفافية الحكم والقرار والمداولات المؤدية إليه (في الغرب مرة أخرى) تحت عنوان عريض هو أن من حق المواطن أن يعلم؛ كلّ ذلك جعل المعلومات متاحةً في زماننا هذا بدرجة لم يعهدها زمن سابق.
ديفيد كِلْكَلّن David Kilcullen ضابط أوسترالي سابق. إنه مستشار الجنرال ديفيد بيتريوس قائد القيادة المركزية وقائد القوات الأمريكية في العراق قبل ذلك. يعطي الأمريكيون الفضل للجنرال بتريوس في النجاحات التي سُجلت ضدّ المقاومة أو ما يسمونه بالقاعدة في العراق، والذي كان وراء ذلك الإنجاز كمنظّر ومخطط استراتيجي هو ديفيد كلكلّن.
دراسة ديفيد كلكلن كانت في العلوم السياسية وعلم الأنثروبولوجيا (الأنسنة أو المجتمعات الإنسانية)، فكانت ميدان بحثه وتحصل فيها على شهادة الدكتوراه. دخل الخدمة العسكرية بالجيش الأوسترالي حتى وصل رتبة مقدم. درس تمرّد تيمور الشرقية ضد سلطة إندونيسيا دراسة ميدانية، وراقب بذكاء العلاقات بين جيش نظامي ومجموعة المسلحين والسكان المحليين، التي حكمت ذلك النزاع المسلح.
وتأثر ديفيد كلكلّن كما يقول بأفكارالجاسوس البريطاني الشهير تي إي لورنس أو لورنس العرب، وخاصة بمقالته المعروفة "علم حرب العصابات" التي كتبها للموسوعة البريطانية سنة 1929 (موجودة على الإنترنت). يقول كلكلن إنه تأثر على وجه الخصوص بسرد لورنس لسيْر الثورة العربية ضد الدولة العثمانية، وقولِه أن على من يشن حرباً ضد قبائل عربية ألا يتجه نحو الهدف مباشرةً، بل أن يبني سُلّماً من القبائل، يشق طريقه عبرها من قبيلة إلى قبيلة حتى يصل إلى الهدف. "وهذا بالضبط ما فعلناه مع الصحوات في العراق. لقد بدأنا بصحوة قبيلة في شمال غرب العراق ثم تقدمنا منها إلى قبيلة أخرى فثالثة فرابعة، وهكذا."
ديفيد كلكلّن يعمل الآن مستشاراً للجنرال بتريوس في حرب أمريكا في أفغانستان والباكستان. بعض مما يقوله:
- يجب لكي ننجح أن نفهم البيئة. والأجانب لا يستطيعون أن يفهموا البيئة المختلفة عما يعرفونه. إن ذلك لا يتأتّى إلا عن طريق شبكة من الشركاء الموثوقين. علماء الأنثروبولجيا يدركون ذلك، ويدركون أهمية المخبرين الحاسمين وكيفية اختيارهم بحرص شديد، لأن لهؤلاء أهدافهم ومخاوفهم الخاصة بهم.
- في مواجهة المقاومة المسلحة يجب أن نكسب السكان إلى جانبنا وأن نهمّش المقاومة حتى تصبح غير ذات قيمة سياسية، وتخسر قدرتها على التأثير على السكان، وبذلك تضعف قدرتها على الحركة.
- في اليوم الذي سقطت فيه قندهار، المعقل الرئيسي لطالبان، في 7 ديسمبر 2001، لم يكن لدينا أكثر من 110 عميل مخابرات من سي آي إي و300 من القوات الخاصة، ولكن كان هنالك 50 ألف أفغاني أيضا يحاربون معنا ضد الطالبان. هُزمت الطالبان لأنه كانت لدينا شراكة مع الأفغان ولأننا كنا نعمل معهم بشكل محكم، وليس بسبب عبقرية قوتنا الجوية. إذا أردنا أن ننتصر في هذه البيئة فإن علينا أن نبني هذه الشراكات.
- لقد غيرنا مجريات الحرب في العراق بتأسيس ’شراكة‘ بيننا وبين السكان المحليين. فهم الذين يعرفون البيئة المحيطة، وعقدنا معهم صفقات، أو تحالفات ربما. كان معنا عراقيون باستمرار.
- ما نشهده في العراق وأفغانستان هو الشكل الجديد للحروب. إن القوى الغربية تملك تفوقا عظيما في في الحرب التقليدية ، لذلك لا يوجد عدو عاقل يمكن أن يدخل معنا في مواجهة دبابة لدبابة. أي شخص شاهد ما حدث في العراق وأفغانستان ويملك قدرا يسيرا من العقل سيقول إنه إذا ما أراد أحد أن يردع الغرب أو أن يحارب الولايات المتحدة بأي احتمال للانتصار عليها، فإن ما يجري في العراق وأفغانستان (المقاومة) هو الطريق إلى ذلك. وذلك ما سنشهده يتكرر في العقود المقبلة.
مفتاح كلام دييفيد كلكلّن ونظريته نجدهما في كلمة ’الشراكة‘. فلسفته في مواجهة المقاومة تنصبّ على فهم ما يسميه ’التضاريس السكانية‘ ومن ثم تجنيد ’الشركاء‘ من بين السكان المحليين. لقد تم غزو العراق بـ ’شراكة‘ مع دول عربية معروفة ومجموعات وأفراد عراقيين معروفين مقابل ما هو معروف. وسجل المحتل نجاحات هامة ضد المقاومة بالـ ’شراكة‘ مع مختلف القبائل التي أنشأت ما يسمّى بصحوات ساندت المحتل في ترسيخ أقدامه مقابل ما قدمه لها من سلاح ومال. وإذا ما أردنا أن نسمي الأشياء بأسمائها نقول إن فلسفته تستند إلى تجنيد العملاء وتسخيرهم لدحر كل مقاومة للقوة المحتلة. هكذا فعل لورنس ومن بعده بتريوس وكلكلن، وهكذا سيفعل كل غازٍ يتقدم من بعدهم نحو هذا الشرق الحزين.
وعندنا أصبحت العمالة مجرّد وِجهة نظر، حتى إذا نظرنا إلى الساحة العراقية الآن نجدها تمور بصراع واقتتال بين فئتين إحداهما في الحكم والأخرى خارجه.. إحداهما شيعية والأخرى سنية.. كلاهما عميلتان، وليس في الهمّ ما نختار.
02:34 Posted in يوميات | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this | Tags: عمالة، لورنس، ديفيد كيلكلن، عصابات، صحوة، شراكة



