2006.06.09
رسائل من بنغازي
رسائل من بنغازي
خالد مطاوع شاعر أمريكي ليبي.
وُلد وتلقى تعليمه الأساسي في بنغازي، وغادرها إلى الولايات المتحدة سنة 1979. ـ
تحصل عل درجة البكالوريوس في العلوم السياسية والاقتصاد من جامعة تنسي في شاتانوجا،
ومن ثم على درجة الماجستير في الإنجليزية وفي الكتابة الإبداعية من جامعة إنديانا، ودرّس الكتابة الإبداعية في نفس الجامعة.
حائز على جائزة الشعراء الأمريكيين.
أستاذ الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة ولاية كالفورنيا.
نُشرت أشعاره في العديد من المجلات والدوريات الأمريكية المتخصصة.
تحصل على زمالة ألفرد هودّر بجامعة برنستون سنة 1995-1996.
عاد خالد مطاوع إلى مدينته بنغازي للمرة الأولى سنة 2002، ومنها كتب عددا من الرسائل إلى صديق له يشير إليه بالحرف هـ. كُتبت هذه الرسائل بين سنتي 2002 و 2004، ونُشرت في موقع (حافظ. كوم) على الإنترنت نقلا عن عدد فصل الشتاء لسنة 2006 من فصليّة ميشجان كوارترلي ريفيو.
خالد مطاوع شاعر ليبي نهل من التعليم في الغرب وغاص في ثقافته، فتفوّق وأصبح من الشعراء المبرّزين المشهود لهم. غاب عن وطنه ثلاثة وعشرين عاما وعاد ليجده مختلفا عما كان عالقا في ذاكرته، وكتب إلى صديق له عما وجده.
رأيت من المفيد أن يطلع قراء العربية من الليبيين على ما تحتويه هذه الرسائل من انطباعات وملاحظات نقدية كتبها خالد مطاوع عن بعد وإن كان وقت كتابتها بين أهله. هذه رسالته الأولى، وهي بحاجة إلى القراءة حتى نهايتها.
ملاحظات الكاتب:
لقد تركت مدينتي بنغازي متوجها إلى الولايات المتحدة سنة 1979، وعدت للمرة الأولي في سبتمبر 2002. وعدت إليها منذ ذلك الحين في زيارات صيفية بضع مرات ولمدد تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر. بدأت كتابة الرسائل إلى صديق ليبي غادر بنغازي في الفترة التي غادرتها فيها. ولأن هذا الصديق لم يكن باستطاعته أن يعود، كان يرغب معرفة التغيّرات التي طرأت على مدينته. هذه بعض من تلك الرسائل التي بعثت بها إليه منذ بداية مشروعي هذا.
الرسالة الأولى:
عزيزي هـ
يبدو أن شبكة الإنترنت الليبية تعمل ضدنا اليوم، أو بالأمس في الحقيقة. لقد ذهبت إلى أفضل مقاهي الإنترنت، ولكن الاتصال انقطع في منتصف الرسالة. كان ذلك ظهرا. ومع بداية المساء انقطعت الكهرباء لحوالي عشر دقائق، واستغرقت إعادة الاتصال عشر دقائق أخرى، وكان الاتصال زيادة على ذلك رديئا. الكبّتشينو ذو الذاق المفرط في الحلاوة أعطشني (يجب عليك هنا أن تبلغ الجرسون هنا أنك لا ترغب في إضافة أي سكر على الإطلاق، وإلاّ فإنك ستحصل على مخلوط كثيف شديد الحلاوة يؤدي بك إلى صداع). وصلة الإنترنت الرديئة والانتظار الذي من غير المتوقع أن يؤدي إلى نتيجة كان لا بد أن ينتهيا. أنا الآن أكتب إليك من البيت، بافتراض أنني أكتب رسالة يمكن أن تستلمها على ورق. غدا (وهو الذي سيكون اليوم عندما أرسلها. هل يعني هذا شيئاً ... من المستحيل أن تصنع زمنا مضارعا من المستقبل). ستستلم الرسالة موقعة بتاريخ اليوم، ولكن ما اليوم وما الغد في بنغازي؟
إنها الساعة الثامنة الآن، ولدينا زائرة هي أرملة عمي م. [أو خاله؟] ( سيدة راقية تنتمي لعائلة المجاهد الكبير عمر المختار) وبرفقتها ابنتها يسرى وابنها الصغير. لقد كانت يسرى وشقيقتها في منزلة الابنتين بالنسبة لوالدتي منذ سنوات مراهقتهما، وكانت علاقتهما وثيقة بأخواتي. كانت الفتاتان مرتبطتين ارتباطا وثيقا بذكرى أبيهما الذي كان غريب الأطوار ورجل أعمال غير ناجح، ولكنه ربما كان من أطيب وألطف من مشوا على الأرض، وإن كان مشيه على الأرض أمراً مشكوكاً في صحته، ذلك لأن رأسه كان دائما بين السحاب. إنه يذكرني بالسيد بزواز في رواية ف س نايبول. ـ
كان عمي م يشكو من الدوائر القمعية المحيطة به، تماماً مثل السيد بزواز؛ كان هناك تعليمه المحدود وقصور بلده المتخلف، كما كان هناك أمر مثير للاهتمام يتعلق بزوجه وعائلتها الكبيرة قريبة الشبه بعشائرنا الليبية. ولكي أعطي فوزية زوج عمي حقها، يجب القول أنها تختلف عن مسز بزواز، فهي حقيقةً امرأة جذابة وذات قدرات عالية. لقد كانت أكثر مرحا عندما عرفتها في عمر أصغر. لا تزال لديها ضحكاتها العفوية ولكنها تبدو مكبوتة الآن.
ليس لدي المزيد مما يمكن أن أقوله عن هذا العم وأسرته. ولا زلت على أي حال معتزا بلطف عمي م. معي. لقد كان عماً مجنونا عندما كنت صغيرا. أراد أن أصبح فارساً لأنني كنت نحيل البنية في صغري. لقد اشترى لشقيقي نوري آلة تصوير وشجعنا لأن نلتقط الصور. وألحقنا بمدرسة لتعليم الطباعة حتى تكون لدينا مهارة من نوع ما. ولست بحاجة لأن أقول أنني كنت أخشى تلك الآلة الضخمة التي كانت تُصدر من الأصوات ما يشبه أصوات المولدات. لقد كنت أخاف أن أصاب بصاعقة كهربائية، حيث أن أصابعي كثيرا ما كانت تعلق بين المفاتيح، ولذلك فإنني لم أكن أغادر مفاتيح وسط الطابعة: ك م ن ت، ش ا س ب. آخر ذكرياتي عن عمي م كانت خلال إحدى المرات التي مرض فيها والدي، حيث كان يقوم بقراءة القرآن وتفسيره لوالدي. وكان ذلك في مستشفى الهواري. تهزني حقيقة تلك اللحظات بين الرجلين العزيزين لديّ، أحدهما يقرأ والآخر ينصت، ربما كان ذلك لشبهها الكبير بآخر أيامي مع والدي في ألمانيا منذ صيفين مضيا. لقد كانت صحته متدهورة عند وصوله إلى المستشفى، حيث اكتشف أنه في مرحلة متقدمة من مرض الوباء الكبدي (سي). قليلا ما كان يصحو من غيبوبته وكان كثير الهذيان. ولكنه كان يستيقظ ويبدو قادرا على التركيز في ساعات متأخرة من الليل أحيانا، فأقرأ له آيات من القرآن والدعاء الذي كنت دائما أختم به قراءتي من الكتاب الكريم. كنت أقرأ الدعاء وكان يقول آمين. كنا نردّد الدعاء بضع مرات لليالِ عدّة، وكنت في كل مرة أحسّ بإلحاحه في الدعاء. لقد كان في تلك اللحظات في أوج وعيه، وإن كنت أظن أنه لم يكن يعي معاني الأدعية؛ فقط أنها كانت أدعية. كان يحرك كفيه المضمومتين كما لو كانتا تفتحان كتابا صغيراً تمسكان به، ثم يفتح عينيه لاستقبال الدعاء التالي ويختمه بآمين. لا أعرف حتى الآن كيف كان شعور والدي خلال الدعاء. هل كان يدعو الله لأن يريحه من مرضه بأن يتركه يموت، أم انه كان يدعوه طالبا منه معجزة تشفيه، أم أنه كان يدعوه لأن يغفر له، وإن كان كذلك فممّ كان يطلب المغفرة؟ أظن أن أوقات والدي مع عمي م كانت شبيهة بهذه.
ما يذكّرني بهذه الأشياء هو وجود فوزية معنا الآن، تواصل التقليد الذي بدأه زوجها بأن تكون مصدر لطف ومحبة في حياة والدتي. عندما عدت إلى هنا وتطرقنا إلى موضوع عزوبيتي التي طال أمدها، كان الزواج من إحدى ابنتي عمي م أول ما اقترحته والدتي. وبالنسبة إليها كان من شأن هذا الزواج أن يوثق علاقة تعتز بها. (ولكنني، للأسف، قد خيبت أملها). كانت الأسرة كلها تترقب أخبار خِطبة متوقعة ليسرى وهدى. لقد تقدم لخطبتهما أكثر من شخص، ولكن إرضاءهما كان صعبا. لقد تمسّكتا بطلب والدهما ألاّ يتزوجا من شخص لا يحمل شهادة جامعية ـ مع أن الدرجة الجامعية هنا لا تعني الكثير ـ زد على ذلك أنهما كانتا قليلتي الحظ إلى حدّ ما. كان آخر خطيب لهدى نقيبا في السلاح الجوي اتضح فيما بعد أنه يشرب الخمر. الفتاتان منفتحتان على بعض الأشياء، ولكنهما محافظتان و متديّنتان. عرض النقيب الإقلاع عن شرب الخمر من أجل هدى عندما علمت بذلك. لم يبدُ الأمر مقنعا بالنسبة لها، ولذلك طلبت فسخ الخطبة. خابرها خطيبها ليلاً في حال من السكر؛ ثرثر كثيرا، وكانت تلك هي النهاية.
لدى عودتي هذا الصيف، تقدم شاب لخطبة هدى، وبدا أن الأمور تسير على ما يرام.أنا متحمس للفتاتين لأنهما لطيفتان وحلوتان، ولأنهما جزء من الأسرة بكل معنى الكلمة. وهما ماهرتان في صنع الفطائر وفي التدبير المنزلي.
تذكّرني قصة أسرة عمي م بإحدى الأفكار التي أعود إليها مراراً. قد لا تكون إشارتي إليها كفكرة إشارة دقيقة تماماً؛ إنها أعمق من ذلك. إنها مبدأ أو افتراض من نوع ما. إنني أعتقد أن عمل الخير والتصرف بوازع من الحب هو نوع من المقاومة. لا أعرف كُنه الناس بطبيعتهم، ولكنني أشعر أن لديهم مجالاً محدوداً جداً لعمل الخير الذي يستطيعون عمله. في بنغازي، حيث لا توجد حياة مدنية، ليس باستطاعتك أن تخدم أكثر من مجموعة صغيرة. إن أخلاقيات الالتزام والانتماء والفضيلة السائدة تقضي بالسماح لك، بشكل أو بآخر، بأن تسبّب أي قدر من الهدم أو الضرر للآخرين وممتلكاتهم في سبيل الدفاع عن أهلك. أعتقد أن هذا التصور الضيق لما يمكن عمله من أجل الآخرين هو الذي يسمح للناس بالمغالاة في خدمة الناس الأقرب إليهم.
كان على متن الطائرة الليلة الماضية مجموعة من حوالي خمسة عشر رجلا في العشرينات من أعمارهم. لقد كانوا ملتصقين ببعضهم البعض، إما أن بينهم قرابة دم أو انتماء لمجموعة عمل ما. كانوا يقهقهون بصوت مرتفع، ويصيحون لكي يطفئ الركاب أضواء قراءتهم، وكادوا يشتبكون مع أحد المضيفين عندما شكّ في أن أحدهم كان يدخّن. لقد كانوا صاخبين وسعداء جدا بعلاقة الجماعة التي تربطهم وعددهم الكبير. إنه أسوأ أنواع القبلية، وهو النموذج الليبي للقبلية. أتصور أنه لو نشب شجارٌ فإنهم سيتشاجرون أولاً ويطرحون الأسئلة فيما بعد، هذا لو طرحوا أسئلة أساساً. وهذه هي الغريزة النفسية والاجتماعية الأساسية النشطة هنا. لاحظت كذلك كيف أنهم يسخرون من بعضهم البعض ويتصيدون كلّ خطأ أو قول غريب يصدر من أيٍّ منهم. وهذا هو ثمن انتماء الأمان. ماذا كان هؤلاء الشباب يعملون؟ أعتقد أنهم كانوا في تونس. لم أستطع من خلال حديثهم التعرف على مجال عملهم. على الطائرة كانوا يتفحصون السلع: مكان إنتاج المشروبات وصلاحية الفطائر التي قدمتها لنا الخطوط. أردت أن أعرف الشيء الذي يتقنونه. يخالجني الآن شعور بأن أكبر إنجازاتهم هو وجودهم معاً وارتباطهم كمجموعة. ـ
ما يسلم به أكثر الناس هنا لبعضهم البعض من قبيل الصفات الشخصية لا يتجاوز الصفات الحادة والسلوكيات الغريبة. الناس هنا يكررون السؤال (أنت كيف عاد؟) عندما يرون أن الشخص قد خرج عن المألوف السليم أو أنه لم يف بتوقعاتهم منه. ما يشغل بال الرجال (والنساء) بالدرجة الأولى هنا هو عدم الخروج عن المتوقع وإتباع عادات اجتماعية محددة. ليس هذا خبراً بالنسبة إليك. الخبر السيئ هو أنه لا يوجد خلاف ذلك غير القليل. يعمل بعض الرجال في مشروعات تثير الاهتمام، مشروعات التقنيات الجديدة في بدايتها، مصانع المواد الغذائية ومتاجر الأثاث. إنني أحترم أولئك الذين يحاولون صناعة أشياء هنا ويدوّرون المال داخل هذا الاقتصاد، هذا بالرغم من أن معظم الأعمال تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد والعمالة الأجنبية. لن تجد أسطى نجار ليبي في ورشة للأثاث. أما النساء فهن خارج الصورة تماما، وأولئك اللاتي يخرجن من بيوتهن يبدو عليهن القبول بما يجدن. يبدو أنهن لا يستطعن عمل شيء دون الشروع في القهقهة أو التوسل. أما النساء الأكبر سنا، مثل أولئك اللاتي يعملن بمكاتب الخطوط الجوية فإنهن يقمن بدور ينافي الذوق السليم. يشغلهن الحديث على الهاتف ولا يمددن يد المساعدة. يتنهّدن ويلعبن بملابسهن ويظهر عليهن السخط والبؤس. يغلب عليهن الانفعال؛ أي شيء تقوله يمكن أن يربكهن ويؤدي إلى عدم إنجاز المعاملة. وبعد ذلك سيعطل الكمبيوتر، ولن تحصل على تذكرتك حتى يوم الغد.
دعني أعود إلى موضوعي قبل أن أفقده مرة أخرى. وسط هذا الجو العام من تدني الطموح ومن القنوط واسع الانتشار وغياب سبل الاستمتاع بأوقات الفراغ يعتبر عمل الخير والعمل الحسن نعمة كبرى. إنهما من أعمال المقاومة في مواجهة فيض من عدم المبالاة بشيء. ولكن لا يزال هناك مشكل في تفسير المسئولية المدنية. إن الذين يقدمون لك المساعدة إذا ما رأوك تشكو من مرض أو إصابة والذين نكْبر فيهم عطفهم واحترامهم لكبار السن لن يفسحوا الطريق لسيارة الإسعاف إذا ما كانوا في الطريق.
لست أدري ما إذا كان السبب في نظرتي المتشائمة إلى الأشياء هنا يعود إلى شيء معتم بداخلي في هذا الوقت، أو أن بنغازي قد عتّمت مزاجي. طرابلس، المدينة الأفضل بكل الاعتبارات ـ وحيث تجد الناس، رغم ما هو متداول من أنهم ليسوا على درجة الودّ والكرم التي تجدها لدى البنغازيين، إلاّ أنهم لا يختلفون عنهم كثيرا: ليسوا أسوأ كثيرا ولا أفضل كثيرا ـ طرابلس لم تثر لديّ البهجة، وما كان لها أن تفعل حتى لو أقمت بها. لدى الطرابلسيين أماكن أكثر يذهبون إليها من المقاهي والشواطئ والمساحات الأنظف عموما. ولكن نبض الحياة في المكان وحيث يتجول الناس بدرجة من الحرية، الأشياء التي لاحظتها في القاهرة ورام الله والمغرب لا يمكن رؤيتها بسهولة طرابلس، وهي غائبة تماما في بنغازي. ليس للمثقفين أو الموظفين أو الكتّاب أو الطبقة الوسطى مكان يذهبون إليه. ليست لدينا في بنغازي أو طرابلس ثقافة المقاهي (أو لم تعد لدينا)، وبهذا المعني ليس لهاتين المدينتين وجوه أو أصوات. مشاهدة التلفزيون الليبي أو الاستماع لبرامج الإذاعة الليبية أو قراءة "أخبار بنغازي" تزعجني كثيرا، غير أني أشعر بالسعادة أن العالم أوسع ويضم أماكن وأشياء أفضل.
أكتب لي متى تستطيع، وأخبرني عن روايتك.
خالد
12:15 Posted in من كتاباتهم | Permalink | Comments (0) | Email this | Tags: خالد، مطاوع، رسائل، بنغازي



