2009.01.31

انتصارٌ أم انكسار

انتصارٌ أم انكسار؟image014.jpg

أحدثَ نهجُ السادات بلبلةً والتباساً لدى رأيٍ عامٍّ عربي كان مجمعاً على أن أرضَ فلسطين عربيةٌ وأن اليهود اغتصبوها اغتصاباً، ضمن مخططٍ استعماري، وعبر الترويعِ والقتل والتشريد. فلسطينُ العربية، طبقاً للنهج الساداتي، أصبحت دولةً لليهود اسمها إسرائيل، وانحصرت مطالبُ الساداتيين في الأرض المحتلة عام 1967 دون غيرها. إسرائيل لم تعُد جسماً دخيلاً قائماً على الإحلال والاستئصال، يستحيل التعايش معه، بل أصبحت ـ عند هؤلاء ـ دولةً طبيعيةً بالإمكان التعايش معها بسلام إذا ما قبل العرب بحقها في العيش ضمن الأرض التي تمكّنت من اغتصابها إلى ما قبل حرب يونية 1967. وأما الحقوق التاريخية والقومية والمقدسات الدينية والتكليف بالجهاد ونصرة الأخ والمظلوم والأخلاق فقد طُرحت جميعُها جانباً، وحلّت محلَّها لغةُ السلامِ مع من ’جنحوا له‘، والرخاءِ الآتي بمجرّد التخلص من إرث حروبٍ ’جلبت الموت والدمار وأهدرت الموارد والإمكانيات‘. لم يكن في طرح هؤلاء منطقٌ أو سندٌ تاريخي، بدءاً بالقبول بحقَّ اليهود في السيادة على الأراضي التي استولوا عليها سنة 1948 وإنكارِ حقِّهم ـ في الوقت نفسِه ـ في الأراضي التي تم الاستيلاء عليها سنة 1967. ولكن السياسة لا تُبنى دائما على حقائق التاريخ ومقتضيات المنطق، بل على ما تخلُص إليه اجتهاداتُ ذوي القرار بأنه أنجع الطرائق لتحقيق المصالح. وعندما يكون نظام الحكم فردياً مطلقاً، فإن تلك المصالح لن تتطابق بالضرورة مع مصالحِ الأمة، بل قد تتقدّم على مصالح الأمة مصالحُ أو أحلامُ ذلك الفرد، وتكون القرارات الكبرى بذلك رهناً بمزاجه وارتباطاته وطموحه  لمكانةٍ ما في التاريخ أو بين من هو مبهورٌ بهم أو مرتَهَنٌ لديهم. وهكذا كان الأمر في أكبر قضايا الأمة في القرن العشرين وأخطرها.

وجنّد النظام المصري ومن التحق به من العرب أدواتِ الإعلام، ذات النفاذ والتأثير العظيمين في عصرنا هذا، وأموالَ النفط، للترويج لسلامٍ يعني في حقيقة أمره التنازلَ عن الحق في أرض فلسطين المحتلة عام 1948، وخذلانَ أهلها، والقبولَ بإسرائيل جاراً ’مسالماً‘. واستُخدمت في هذا السبيل كافة أساليب الإلهاء والتغريب والتمويه والإحباط، وكلّ ما يشتريه المال من ذمم وأدوات إفساد، في حين تفرغت الأنظمة للبحث عن تسويةٍ ما تغلق ملفَّ القضية. وهكذا انتهت حِقبة "تحرير فلسطين" لتحل محلّها حِقبةُ "عملية السلام"، واختفى "الصراع العربي الإسرائيلي" ليحلّ محلَّه "الصراع الفلسطيني الإسرائيلي". التبست الأمور واختلطت على جمهورٍ تسرّب إلى ذهنه، وبالتدريج، شيئٌ من الشك في حقوق ظنها ثابتةً مطلقة، ولم يتصوّر أن تكون في يوم من الأيام موضع تفريط أومساومة. ولكن الالتباس وقع.

وجاءت مذبحة غزة لتعيد إلى الأذهان صور ما فعله اليهود في الأربعينيات من القرن الماضي، وتبعث المشهد الرهيب للترويع والقتل والتشريد حياً. ووجدنا أنفسنا مرةً أخرى أمام نفس الفكرة العدوانية الاستئصالية القديمة، فاقعةً بلون دم الأطفال المراق على أرض غزة، مدويةً ببكاء الثكالى والأرامل واليتامى، ماثلةً أمام العالم أجمع في وهَج الفسفور وركام المنازل والمدارس والمقابر ومواكب الجنائز.

لقد وضع أهل غزة العدو تحت الضوء، عارياً من زيّه التنكّري، فإذا به هو هو، ذلك المغتصب الهمجي العنصري الدموي... هو هو، ذلك النقيض للحياة نفسها، وسجّلوا بدماء أحبائهم ودموع ثكالاهم وأراملهم وأيتامهم، سخفَ سعي الساعين وراء سلام زائف، الهاربين من الشهادة إلى الموت الذي هم ملاقوه، ولو بعد حين.

كان النهج الاستعماري الجديد أوضح ما يكون في الحالة العراقية، فهناك ـ كما هو الحال دائماً ـ ظاهرٌ كاذبٌ مخادع، وهناك نوايا مُضمَرةٌ لا تلبث أن تنفضح. العلّة المعلنة هناك كانت أسلحةَ الدمار الشامل، والنيةُ المضمرةُ كانت وضعَ اليد على ثاني (وربما أول) احتياطيٍّ للنفط في العالم.. وكان الطريق إلى تحقيق الأهداف الحصار بعقوبات دولية منهِكة ومن ثَم حملةٍ عسكرية دمّرت العراق بمقوماته كدولة حديثة. ولم يظفر الغزاة في النهاية بورقة التين التي تمنّوا العثور عليها: أيّ شيء يمكن أن يُسمَّى سلاحاً من أسلحة الدمار الشامل. ولكن الهدف المضمَر تحقق،  وإن كان الثمن باهظاً والنتائج غيرَ محسومة.

وهكذا هو الأمر في الحالة العربية من قضية فلسطين. كان الهدف المعلَن لحصار غزّة ومن ثَم الحملة العسكرية المسعورة عليها هو القضاء على حماس وصواريخها البدائية. أما الهدف الحقيقي فقد كان تركيعَ الشعب الفلسطيني في القطاع والضفة والشتات، وكسرَ إرادته بإرغامه على القبول بتسوية طال انتظارُ العدوِّ والساداتيين الجدد لها. كان الهدف تمهيدَ الطريق أمام العبابسة ومن ورائهم مصر والسعودية والأردن لإبرام الصفقة النهائية لتصفية قضية فلسطين، بإسقاط العرب جميعاً (المبادرة العربية) للحقِّ في أرض فلسطين واعترافهم بأنها حقٌّ لليهود يقيمون عليها دولتهم اليهودية.

إن المعيارَ الحقيقي لتقييم النتائج ليس عددَ الشهداء والقتلى ولا مقدارَ الدمار في الجانبين، بل في صمود الإرادة أو انكسارها.

في الحالة المصرية انكسرت الإرادة بعد حرب أكتوبر 1973 وانهزمت مصر، وفي حالة غزة فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها، وصمد الفلسطينيون. والمعركة مستمرة حتى انتصارٍ أو انكسار.