2009.07.31

جيل وجيل

جيل وجيلimages.jpg

كنت أحدق في الوجوه أمامي، وأركّز السمع على ما يدور من جلبة. ولم أكن أرى الوجوه ولا أسمع ما يدور، فقد اختلطت صور القديم بالجديد، والزاهي بما لا يستثير زهوا. وانحصر التفكير، أو كاد، فيما كان وما جدّ وفي المسافة بين حقبة وحقبة وبين جيل وجيل.

لم يكونوا حملة شهادات عليا ولا أصحاب ثروات وصديقات ومزارع للتسلية؛ كانوا أصحابَ رسالة كرّسوا حياتهم من أجلها، وأخلصوا في عطائهم تعليماً وبناءً وتنظيما. كانوا أغنياء قناعة ورضا وتعفف... وأمامي أصحاب شهادات وأزياء وسيارات وحسابات في بنوك لا يعرف أسماءها غير أصحاب الحسابات. اكتفوا من العلم بقشوره، ومن الدين بالشهادتين لا تتجاوزان حدود الشفتين.

توالت صور الأموات ومن لم يبق أمامهم الكثير، تحول من حين إلى آخر دون رؤية وسماع الأحياء أمامي، يتداولون في شؤون البلاد والعباد من مواقع لا تخلو من تأثيرٍ حاضرٍ ومستقبلٍ واعد.

رحم الله من أعطى ورحل، وحنّ على من يرجو خيرا وينتظر.

2009.07.18

سنة الاختلاف والتنوع

 

flfowers.jpg

سنّة الاختلاف والتنوع

عظمة الخالق تتجلّى في تنوّع خلقه. ننظر حولنا فنرى بعض ألوانه ولا نرى الباقي المحجوب فنسميه ما تحت الأحمر وما دونه، وما فوق البنفسجي وما بعده. ونجد الصحارى والغابات، والنور والظلام، وصقيع القطبين وحرارة الاستواء. ونرى في البشر أنفسهم الأبيض والأسود وألسنةً لا تُعد. إلا أن مجتمعاتنا لا تقبل الاختلاف أو التنوع؛ فليس فيها مجال لتعايش أو تلاقح أو تسامح. أرغب حين أستمع إليك في أن أسمع ترديدا لأفكاري وأن ترسم لكل شيء صورته التي أعرف. نرى في اختلاف الآخر معنا تهديداً لا نقبله. وجزاء المختلف عندنا الإقصاء والتسفيه، إن لم يكن ما هو أعظم. نفضل دعةً وسكينة نجدها في التوافق على "واحد" من الأفكار أو التوجّهات أو التفسيرات، أو الرضوخ إليه. وننفر من الاختلاف في شيء.

وينبني على رفض الاختلاف والتنوع والتعدّد موقفنا من النقد. نحن بالكاد قادرون على نقاشٍ ذي معنىً ونتيجة. ما أن يبدأ نقاشٌ حول مسألةٍ ما حتى ينحدر إلى نقاش وربما جدالٍ عقيم حول فلان أو علاّن. وقد تكون أنت ـ المحاور نفسه ـ هو ذلك الفلان.

تهمّ بطرح موضوعٍ، فيواجهك استفسارٌ عمّن أعلمك به. ويتحول الحوار، حتى قبل أن يبدأ، من مناقشة الرواية إلى هجوم على الراوي.

نضيق بالرأي المخالف، ولا نتقبل النقد، على مستوى الأمة وعلى مستوى الأفراد، رغم ما نعرفه فينا من عجز وتخلف، أو ربما بسببهما.

مجتمع تضعف فيه روح المبادرة والتنافس الشريف في ميادين العمل والعلوم والفنون والأداء، ويغيب فيه الاحتفاء بالامتياز والإبداع والتفوق، سيطفو على سطحه الحسد والنزوع نحو الأذى والإساءة والتدمير؛ إلى النقد والعمل الهدّامين، ويصبح مستنزفاً لذاته.

أمّة مُـقوْلـبة في ذات الشكل واللون والفكر والمزاج؛ ترفض كلَّ ما هو مختلف ـ وبالضرورة كلَّ ما هو جديد ـ لن تتبدّل أو تتغير أو تتطور.  حين لا نسلّم باحتمال نقصٍ أو عيبٍ أو خطأ، لا يوجد مجالٌ لتدارك نقص ٍأو عيب أو خطأ. في النقد توجيهٌ وتصحيحٌ وتذكير، ولكننا نرى فيه إهانةً وانتقاصاً من مقامٍ أو تاريخ. نقاوم التنوع والاختلاف والتسامح والشك والاستكشاف ولا نقبل النقد وعصف الأفكار. ونسينا أن الواحدَ الأحدَ واحدٌ أحد، فرفضنا أن يتعدّد أيّ شيءٍ على الإطلاق. نسينا أن في ذلك شِرك، ونعِمنا بقبول ـ أو حتى تقديس ـ الواحد من كل شيء.

2009.07.15

تحتية وفوقية

تحتية وفوقية

تزور، إذا كنت في إيطاليا مثلاً، المكتبة القومية في روما، أو المكتبة العامة في بولونيا. تتنقل بين أشواط أرففها وكاتالوجاتها، وتستعين في بحثك بمنظومات الحواسيب وما تحتويه من علوم ومعارف في شكل رقمي. إن مللت الجلسة التقليدية تجد في ذلك الفضاء الفسيح مجالس مختلفة للمطالعة أو لمجرّد التأمّل. وهناك المقهى والمطعم. بإمكان طالب العلم أن يقضي اليوم كاملاً، وأياماً معه، سعيداً بما بين يديه وأمام عينيه. ويعود في اليوم التالي ليجدها في الانتظار، مرحبة ً بكل من يأتي: أن اقرأ.. تعلّم.. تعلّم.

وأعود لأتذكّر بأن مدينة طرابلس ليست بها مكتبة عامة. وأتابع أخبار المشروعات والتنمية والتطوير فأجدها معنية بالمباني والطرق والموانئ والمطارات والكهرباء والمجاري.. هو في معظمه مما اصطُلح على تسميته بالبنية التحتية.

وأتذكّر الإعلان منذ زمن عن إنشاء "المكتبة القومية" بالقصر الملكي السابق. ولم يجد الإعلان، فيما يبدو، أذناً تصغي إليه. وأتذكّر موقعا بشارع الجمهورية (مقابلا لسفارة إيران) كان مخصصا منذ عقود طويلة لمكتبة طرابلس. ولم تصل المكتبة بعد!

نطمح إلى بناء الملموس من إنشاءات خرسانية ومعدنية ولا نلتفت إلى بنية فوقية أسمى، تستهدف الإنسان في ثقافته وفنونه وعلومه، تربّي فيه الحس بالجمال، وتدفعه إلى التأمل والنظر والتفكّر والإبداع.

صورة من مكتبة بولونيا:

Bologna Library.JPG

 

2009.07.12

مروة الشربيني

مروة 1.jpgمروة الشربيني سيدة مصرية في العشرينيات من عمرها، رافقت زوجها في دراسته بمدينة درزدن بألمانيا.

مروة عربية مسلمة ترتدي الحجاب. حاولت العمل إلا أنه اشتُرط عليها خلع الحجاب، ورفضت. تعرضت للمضايقات بسبب حجابها، وصدرت أكثر المضايقات إيذاء، وبشكل مستمر، من جارها الألماني ( الألماني الأصيل: أشقر ومسيحي) الذي كان يصفها بالإرهابية ويقال أنه قد حاول نزع حجابها عن رأسها بالقوة.

ولأن مروة تعيش في مجتمع ديموقراطي يسوده القانون، متحضّرٍ ومتسامح؛ وصل إلى ذروة الحضارة الإنسانية التي تمثل عند البعض من نخب الغرب "نهاية التاريخ"، لجأت السيدة مروة إلى القضاء.

وهناك كان جارها لها بالمرصاد. أرداها قتيلة بثماني عشرة طعنة، وسط المحكمة.

وتدخلت الشرطة، فأطلق شرطيٌّ النار على زوجها ـ الأسمر ـ الذي كان يحاول إنقاذها، بدلاً من قاتلها ـ الأشقر. ربما لم يكن وارداً عند ذلك الشرطي أن يقوم بتلك الفعلة غير ذلك الأسمر. والزوج الآن بالمستشفى في حالة حرجة.

وسيقولون مجنون... صفةٌ لا يتكرمون بها على الفاعل لو كان مسلماً.

هل تزلزت ألمانيا وحكومتها وإعلامها؟ لا. وهل كانت الأمور ستختلف لو كانت الضحية يهودياً أو يهودية، أو لو كان أوروبيا أبيض قُتل على أيدي إرهابيين (مسلمين بالضرورة)؟ بكل تأكيد : نعم.

ما يجري في أوروبا لا يحمل للمسلمين فيها خيراً، وقد يكون الآتي ترحيلاً وشروراً وفظاعات أكبر بكثير مما نتوقع. سربرنتسا ليست ببعيدة، بل إن أسبانيا إيزابيل وفرديناند ومحاكم تفتيش القرون الوسطى ليست ببعيدة.

وهل للعرب والمسلمين الحق في أن يغضبوا؟ ... نعم، ولكن ممّن؟

هل للعرب قيمة إنسانية محترمة في بلدانهم حتى يُحترموا في غيرها من البلدان؟ أليست المحجبات مطاردات داخل بعضٍ من بلدان العرب المسلمين أنفسهم؟

أليس وجود بعضٍ من غلاةِ المسلمين الفارين من بلدانهم في أوروبا عاملا مغذّيا لكراهية المسلمين؟ مظهرهم وتهجمهم على البلدان المضيفة لهم يحمل استفزازا ويدفع إلى النفور منهم واستعداء الآخرين على دينهم وأتباعه.

سيفرض العرب والمسلمون على الغير أن يحترمهم، يوم يكتسبون لأنفسهم الاحترام داخل بلدانهم. وحتى ذلك الحين ستكون احتجاجاتنا صراخاً ملّه العالم، أو استجداءً لاحترامٍ يُكتسب ولا يُستجدى.

ورحمة الله عليك يا مروة.

2009.07.09

أحلام شاعر

أحلام شاعر.. أحلام جيلshanneeb.jpg

وقع نظري عن طريق الصدفة في إحدى مكتبات بنغازي على ديوان "معزوفة على قيثارة الوطن" للأستاذ أحمد فؤاد شنّيب، من منشورات مجلس الثقافة العام. كان رحمه الله معلّماً وأديباً وشاعراً، إلا أنّ أيّا من أشعاره لم يُنشر، فيما أعلم. عرفته مثقفاً واسع الاطلاع، متحدّثاً لا يُملّ حديثه، ساخراً لاذعاً إلى درجة لم تكن في جميع الأحيان موضع قبول من الجميع.  كان (وهو الذي شبَّ في الشام) ذا عواطف وطنية وقومية جيّاشة. أحب وطنه وحلُم به وأعطاه، وتقدّم به العمر ليرى ما آل إليه ذلك الوطن، الكبير والصغير. وخابت آماله فيما رآه. شعره في حقب شبابه وكهولته وشيخوخته يعكس ما ألمّ بالوطن وآلم شاعرَنا.

وما يدعو إلى الأسى حقيقةً هو تلك المسافة الفاصلة بين جيلٍ وجيل.  فالناظر إلى شباب اليوم ـ فيما هو غالبٌ على السطح ـ لا يجد للوطن محلاً في أحلامهم أو هواجسهم وآلامهم.  المادة طغت والسلطة أفسدت، فأصبحنا بين لاهثٍ وراء كسبٍ سريعٍ ومتعة رخيصة،  وبين لائذٍ بنمط الحياة في صحراء نجدٍ في القرن التاسع عشر علّها تدخله الجنة.  في الحالتين ليس للوطن مكان.

أحلام شاعرنا وأحلام جيله، وخيبة آماله وآمال جيله، تختصرها القصيدة التي تحمل عنوان الديوان نفسه.  يقول أحمد فؤاد شنّيب في هذه القصيدة:

وحلمت بأنك يا وطني                       بطلٌ في عرسِ الأزمانِ

وبأنك أمٌّ تحملني                             طفلاً في زورق ريحانِ

وبأنك فردوسٌ يزهو                         بجمالِ حِماك الثَّقَلان

تزهو وكأنك في الدنيا                       فيضٌ من نورِ الرحمان

ما أجمل أن يحلُم طفلٌ                       قد عاش أسيرَ الحرمان

ولكن المقبل من أيام الشاعر عصف بكل أحلامه:

أصحيحٌ أنك يا وطني                        تغتال زهورَ البستان

وتحيل السوسن أشواكاً                      والعقلَ عبادةََ أوثان

والماضي قبراً نلعنه                         واليومَ هراوةََ سجّان

حتى يختم قائلاً:

وهجرتك يا وطناً أهوى                    علّي أنساك بهجراني

وعَدوْتُ أفتّش عن وطنٍ                    يأويني فيه كإنسان

عربيٌّ تاه بلا قَبَسٍ                          وغدا مجهولَ العنوان

All the posts