2009.05.12

فساد طبقة

فساد طبقةParliament%20London.jpg

في بريطانيا هذه الأيام أزمة كبرى، ومسرحٌ لا يخلو ـ للمتفرّج عن بعد ـ من الطرافة. هي لا تتعلق هذه المرة بالاقتصاد أو السياسات عامةً، بل بالنظام نفسه ورجاله ونسائه.

تستمر صحيفة التلجراف على مدى بضعة أيام في نشر تفاصيل تتعقل بمصروفات أعضاء مجلس العموم التي يتقدّمون للتعويض عنها من خزانة الدولة. يحكم المصروفات من هذا النوع مبادئ يفصّلها كتاب أخضر؛ وهذا هو اسمه.

ينص الكتاب الأخضر على أن مصروفات أعضاء البرلمان المعنية هي تلك التي تُعتبر ضرورية لأداء أعمالهم كممثلين للشعب. ولكن ما تواصل الصحيفة نشره كان له وقع الصدمة، وقد تكون له انعكاسات كبرى.

للنائب الحق مثلا في أن يُعوّض عن مصروفات يتكبدّها في سبيل أن يكون له منزل ثانٍ، حتى يتمكن من العمل في لندن مقرّ مجلي العموم ومن خدمة دائرته الانتخابية، والتنقل بين لندن وتلك الدائرة حيثما تكون. استغل الكثيرون هذا الحق بأن أجروا إصلاحات وتحسينات على بيتهم ‘الثاني’ على حساب الخزانة العامة ومن ثم باعوه بثمن أعلى بكثير واشتروا غيره ليكون بيتهم ‘الثاني’ الجديد، الذي سيكون بدوره بحاجة إلى تحسينات وإصلاحات.

وقد احتوت قائمة التعويضات التي طالب بها النواب المحترمون، ومنهم وزراء ومرشحون للتوزير من كافة الأحزاب على مطالبات من أمثلتها:  تنظيف المنزل من رائحة دخان السيجار (2470 جنيه)، سخان قهوة (49.99 جنيه)، حافظة طعام بالثلاجة (11.39 جنيه)، أكياس قمامة (52 جنيه)، بطاريات (3.69 جنيه)، فوطة تجفيف أطباق بالمطبخ (0.75 جنيه)، علبة مخلّل (0.68). والقائمة تطول على صفحات الجرائد صباح كل يوم، ومعها يلتئم أمام كاميرات التلفزيون صفُّ النواب المحترمين  مفسِّرين ومبرّرين ونادمين ومعتذرين أو منكرين.

والبريطانيون مذهولون أمام هذه التصرفات من رجال ونساء يظهرون على الشاشات كل يوم يتسابقون في الدفاع عن المصلحة العامة مدّعين الوطنية والنزاهة والصدق والأمانة وكل ما يخطر على بالٍ من مبادئ وأخلاق سامية. ظهروا عراة من كل ذلك، وتبيّن أن ما يجمعهم هو الطمع والكذب. والنتيجة الأخطر التي تنبني على ذلك، لدى البعض، هي أن النظام الذي أفرز قادة بهذه الصفات نظامٌ فاسد. وتتعالى أصوات المجتهدين في أشكال الإصلاح، وصولا ـ ربما ـ إلى فئة قائدة جديدة بألوانٍ وأشكالٍ من الفساد جديدة، مبنية على نفس قاعدة الطمع والكذب.

ليس غريباً أن يشنوا الحروب المدمّرة وأن يكذبوا ليحقّقوا مكاسب ربما لشركاتهم وأشخاصهم قبل أوطانهم، فالطمع رائدهم في علاقتهم مع شعوبهم نفسِها.

وطبيعي أن ينال الفساد من النظام وينتهي به إلى الخراب، متى كان الاندفاع نحو المال ومتاع الدنيا لم يهذّبه دين وخلق أو يكبحه قانون وسلطان. مثالٌ على ذلك طمع القائمين على كبريات المؤسسات المالية في العالم وغياب المراقبة والمحاسبة ممّا أدّى إلى إفلاسها.

 ويظهر إلى العلن هذه الأيام فساد نظام حكم عريق، سينجح رغم ذلك في أن يتكيّف ويتطوّر، لأنه يحمل أسباب بقائه: سيادة القانون، والقضاء المستقل، وحرية التعبير والعمل والتنظيم... والمواطن نفسه ليس خصماً لذلك النظام بل هو شريكٌ في صنعه، أما خصومته فهي مع طبقة حاكمة بالإمكان إصلاح النظام لقطع الطريق أمام ممارساتها أو إبدالها.  

Trackbacks

The URL to Trackback this post is: http://khawa6ir.blogspirit.com/trackback/1754724

Post a comment

NB: Comments are moderated on this weblog.