2009.01.31

انتصارٌ أم انكسار

انتصارٌ أم انكسار؟image014.jpg

أحدثَ نهجُ السادات بلبلةً والتباساً لدى رأيٍ عامٍّ عربي كان مجمعاً على أن أرضَ فلسطين عربيةٌ وأن اليهود اغتصبوها اغتصاباً، ضمن مخططٍ استعماري، وعبر الترويعِ والقتل والتشريد. فلسطينُ العربية، طبقاً للنهج الساداتي، أصبحت دولةً لليهود اسمها إسرائيل، وانحصرت مطالبُ الساداتيين في الأرض المحتلة عام 1967 دون غيرها. إسرائيل لم تعُد جسماً دخيلاً قائماً على الإحلال والاستئصال، يستحيل التعايش معه، بل أصبحت ـ عند هؤلاء ـ دولةً طبيعيةً بالإمكان التعايش معها بسلام إذا ما قبل العرب بحقها في العيش ضمن الأرض التي تمكّنت من اغتصابها إلى ما قبل حرب يونية 1967. وأما الحقوق التاريخية والقومية والمقدسات الدينية والتكليف بالجهاد ونصرة الأخ والمظلوم والأخلاق فقد طُرحت جميعُها جانباً، وحلّت محلَّها لغةُ السلامِ مع من ’جنحوا له‘، والرخاءِ الآتي بمجرّد التخلص من إرث حروبٍ ’جلبت الموت والدمار وأهدرت الموارد والإمكانيات‘. لم يكن في طرح هؤلاء منطقٌ أو سندٌ تاريخي، بدءاً بالقبول بحقَّ اليهود في السيادة على الأراضي التي استولوا عليها سنة 1948 وإنكارِ حقِّهم ـ في الوقت نفسِه ـ في الأراضي التي تم الاستيلاء عليها سنة 1967. ولكن السياسة لا تُبنى دائما على حقائق التاريخ ومقتضيات المنطق، بل على ما تخلُص إليه اجتهاداتُ ذوي القرار بأنه أنجع الطرائق لتحقيق المصالح. وعندما يكون نظام الحكم فردياً مطلقاً، فإن تلك المصالح لن تتطابق بالضرورة مع مصالحِ الأمة، بل قد تتقدّم على مصالح الأمة مصالحُ أو أحلامُ ذلك الفرد، وتكون القرارات الكبرى بذلك رهناً بمزاجه وارتباطاته وطموحه  لمكانةٍ ما في التاريخ أو بين من هو مبهورٌ بهم أو مرتَهَنٌ لديهم. وهكذا كان الأمر في أكبر قضايا الأمة في القرن العشرين وأخطرها.

وجنّد النظام المصري ومن التحق به من العرب أدواتِ الإعلام، ذات النفاذ والتأثير العظيمين في عصرنا هذا، وأموالَ النفط، للترويج لسلامٍ يعني في حقيقة أمره التنازلَ عن الحق في أرض فلسطين المحتلة عام 1948، وخذلانَ أهلها، والقبولَ بإسرائيل جاراً ’مسالماً‘. واستُخدمت في هذا السبيل كافة أساليب الإلهاء والتغريب والتمويه والإحباط، وكلّ ما يشتريه المال من ذمم وأدوات إفساد، في حين تفرغت الأنظمة للبحث عن تسويةٍ ما تغلق ملفَّ القضية. وهكذا انتهت حِقبة "تحرير فلسطين" لتحل محلّها حِقبةُ "عملية السلام"، واختفى "الصراع العربي الإسرائيلي" ليحلّ محلَّه "الصراع الفلسطيني الإسرائيلي". التبست الأمور واختلطت على جمهورٍ تسرّب إلى ذهنه، وبالتدريج، شيئٌ من الشك في حقوق ظنها ثابتةً مطلقة، ولم يتصوّر أن تكون في يوم من الأيام موضع تفريط أومساومة. ولكن الالتباس وقع.

وجاءت مذبحة غزة لتعيد إلى الأذهان صور ما فعله اليهود في الأربعينيات من القرن الماضي، وتبعث المشهد الرهيب للترويع والقتل والتشريد حياً. ووجدنا أنفسنا مرةً أخرى أمام نفس الفكرة العدوانية الاستئصالية القديمة، فاقعةً بلون دم الأطفال المراق على أرض غزة، مدويةً ببكاء الثكالى والأرامل واليتامى، ماثلةً أمام العالم أجمع في وهَج الفسفور وركام المنازل والمدارس والمقابر ومواكب الجنائز.

لقد وضع أهل غزة العدو تحت الضوء، عارياً من زيّه التنكّري، فإذا به هو هو، ذلك المغتصب الهمجي العنصري الدموي... هو هو، ذلك النقيض للحياة نفسها، وسجّلوا بدماء أحبائهم ودموع ثكالاهم وأراملهم وأيتامهم، سخفَ سعي الساعين وراء سلام زائف، الهاربين من الشهادة إلى الموت الذي هم ملاقوه، ولو بعد حين.

كان النهج الاستعماري الجديد أوضح ما يكون في الحالة العراقية، فهناك ـ كما هو الحال دائماً ـ ظاهرٌ كاذبٌ مخادع، وهناك نوايا مُضمَرةٌ لا تلبث أن تنفضح. العلّة المعلنة هناك كانت أسلحةَ الدمار الشامل، والنيةُ المضمرةُ كانت وضعَ اليد على ثاني (وربما أول) احتياطيٍّ للنفط في العالم.. وكان الطريق إلى تحقيق الأهداف الحصار بعقوبات دولية منهِكة ومن ثَم حملةٍ عسكرية دمّرت العراق بمقوماته كدولة حديثة. ولم يظفر الغزاة في النهاية بورقة التين التي تمنّوا العثور عليها: أيّ شيء يمكن أن يُسمَّى سلاحاً من أسلحة الدمار الشامل. ولكن الهدف المضمَر تحقق،  وإن كان الثمن باهظاً والنتائج غيرَ محسومة.

وهكذا هو الأمر في الحالة العربية من قضية فلسطين. كان الهدف المعلَن لحصار غزّة ومن ثَم الحملة العسكرية المسعورة عليها هو القضاء على حماس وصواريخها البدائية. أما الهدف الحقيقي فقد كان تركيعَ الشعب الفلسطيني في القطاع والضفة والشتات، وكسرَ إرادته بإرغامه على القبول بتسوية طال انتظارُ العدوِّ والساداتيين الجدد لها. كان الهدف تمهيدَ الطريق أمام العبابسة ومن ورائهم مصر والسعودية والأردن لإبرام الصفقة النهائية لتصفية قضية فلسطين، بإسقاط العرب جميعاً (المبادرة العربية) للحقِّ في أرض فلسطين واعترافهم بأنها حقٌّ لليهود يقيمون عليها دولتهم اليهودية.

إن المعيارَ الحقيقي لتقييم النتائج ليس عددَ الشهداء والقتلى ولا مقدارَ الدمار في الجانبين، بل في صمود الإرادة أو انكسارها.

في الحالة المصرية انكسرت الإرادة بعد حرب أكتوبر 1973 وانهزمت مصر، وفي حالة غزة فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها، وصمد الفلسطينيون. والمعركة مستمرة حتى انتصارٍ أو انكسار.

 

 

2009.01.28

مطالبة بمحاكمة عمر المختار

مطالبة بمحاكمة عمر المختار

لم تبدأ  حرب إسرائيل على الفلسطينيين باجتياح قطاع غزة الشهر الماضي، ولم تنته بإعلانها وقف إطلاق النار. حرب اليهود، والاستعمار الغربي من ورائهم، لاغتصاب كامل فلسطين و’إلغاء‘ الفلسطنيين، والهيمنة ـ في أقل تقدير ـ على ما بين الفرات والنيل، مستمرة منذ عقود.

أمّة في هذا الموقف التاريخي إما أن تنهزم وتستسلم، وإما أن تتصدى للتحدّي. وما كان تصدّي الأمم لمثل هذا التحدي إلا عن طريق فئة قليلة من أبنائها. mbark.jpg

لم ينتظر المتواطئون في حرب إسرائيل الأخيرة على غزة والمتمنّون انتصارها، انتهاءَ الجولة، فسارعوا منذ يومها الأول إلى محاولة النيل من المقاومة والجهاد، فالمقاومون لا يفقهون في السياسة، وتنقصهم الحكمة. وهُم لا يستمعون إلى نصيحة من يفهمون، ويستخفون بحياة الناس ولا يقيمون وزناً لحاجتهم للعمل والتعلّم وللقمة العيش. وهم فوق ذلك قلّةٌ لا يحق لها أن تنفرد بالقرارات الكبرى، وكأن التصدي للمعتدين كان في يوم من images adel imam.jpgالأيام أي شيء سوى أنه قرار قِلة. فالمجاهدون في ليبيا أو الجزائر، على سبيل المثال، لم يمثّلوا غالبية الليبيين أو الجزائريين في يوم من أيام الجهاد، جهادٍ راح ضحيتَه نصف سكان برقة ومليون ونصف المليون جزائري.

وارتفعت، في هذا الزمنِ الرديءِ، أصواتٌ مطالبةٌ بمحاسبة المقاومة لأنها أعطت العدوَّ الذريعة للعدوان. المطالب نفسها كان يمكن أن تصدر بمحاسبة عمر المختار أو عبد القادر الجزائري، ولكنه الحياء ـ في أقل تقدير ـ الذي منع أصحاب مثل هذا الرأي من الجهر به. وجديد هذه الأمة فريد، فما سمعنا فرنسياً يطالب بمحاسبة ديجول أو بريطانياً بمحاسبة تشرشل أو أمريكياً بمحاسبة جورج واشنطن.

يريد المستسلمون لأمتهم نهايةَ الهنود الحمر، فيما هم ينعمون بفتات ما جمعوه حلالاً أو حراما.   

    

2009.01.25

الــرق

الرّق؟Egypt2007_158.jpg

تمرّ بالأمة أحداث جسام ستقرر مستقبلها إلى سنوات طويلة مقبلة، وهي تتفرج. إنها تتفرج على مذبحة من أبشع المذابح في تاريخ البشرية، وتتفرج على حكّام يستجيبون للتحدّي الكبير بمثل هذا الفُتات والاستخفاف:

في الأردن: أمر الملك بالتبرع بسيارتي إسعاف جديدتين... نعم، جديدتين!!!!

في تونس: أذن الرئيس بقيام حملةٍ للتبرع بالدم.

في الجزيرة العربية: اجتمع ستّة ملوك وأمراء في قمة طارئة... ليعلنوا نقل البحث في المذبحة الجارية إلى قمة أخرى غيرِ طارئة.

رئيس مصر هو الذي أوقف المجزرة عندما طلب من أولمرت وقف إطلاق النار!!!!! وهو ادّعاءٌ إن صحّ يعني شراكةً في ’المشروع‘ أو مقاماً عالياً لصاحبه لدى المجرم، وإن لم يصحّ كان (؟) أخرى تُضاف إلى أخواتها...

وفي كلِّ هذه الحالات وغيرها رأينا وسمعنا الإعلام السلطاني ممجّداً لهذه الأعمال العظيمة... فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

أما عباس، بلسان عبدِ ربِّه وربِّ ياسر، فقد أعلن غزة منطقة منكوبة.

أحد شيوخ السلاطين أفتى بعدم التظاهر استنكاراً لما يجري... لأن ذلك يلهي المسلمين عن ذكر الله!!!

والكثيرون استنكروا عدم ذكر أوباما للفلسطينيين في خطاب تنصيبه!!! فقد كانوا في انتظار ساكن الببيت الأبيض الجديد لعلّه ينصفهم من عدوّهم بعدما خذلهم كل من سبقوه... "ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزِلَ إليكَ وما أُنزِلَ مِن قبلِك يريدون أن يتحاكموا إلى الطّاغوتِ وقد أُمِروا أنْ يكفروا به..."

أمةٌ هذا حالها ستبقى محلّ أطماعِ الطامعين، وازدراءِ وتندّرِ المتفرجين.

وستبقى أرضُها ساحةً مستباحة للمرضى والمجانين يلهون فيها تقتيلاً وتدميراً وتعذيباً.

ذلك لأن شعوبها رقيقٌ لنفرٍ من أبنائها طغوا وتجبّروا وأسرفوا.

2009.01.23

نجاح فات أوانه

نجاحٌ فات أوانهolabbas_736901616.jpg

كل ذلك التدمير والقتل للفلسطينيين في غزة، ولم نرَ من الفلسطينيين في الضفة غيرَ مسيرات احتجاج خرجت على استحياء شديد. ذلك إنجازٌ كبيرٌ لعباس، يستطيع أن يُبرزه لتوني بلير والجنرال دايتون ولعموم سادته في واشنطن و’الرباعية‘ و’المجتمع الدولي‘ وقبلهم جميعاً في تل أبيب، دليلاً على نجاحه في استنساخ الأنظمة العربية المرضيِّ عنها... لقد حفظ الدرس ووعاه، فالمطلوب طاعة للسادة وقمعٌ للبؤساء.

نظرياً، نجح عباس. ولكن هناك ما يشير إلى أن السادة لم يعودوا راضين عن عباس أو عن سائرِ النسخ التي سبقته. ذلك أن تلك الأنظمة، بعد غزة، ورغم اجتهادها، لم يعد بإمكانها تسليم ’البضاعة‘.

 

2009.01.21

الجديد ليس حكرا على أحد

الجديد ليس حكراً على أحد

2004191642178860902_rs.jpg

 

شاهدنا، ومعنا العالم، مدى الدمار والقتل الذي ألحقته عصابات الإجرام بقطاع غزة، وشاهدنا الأعضاء المبتورة والجلود المحترقة والدماء النازفة، وسمعنا شهادات الأطباء يصفون إصابات لم يعهدوها من قبل، كانت في غالب الظن نتيجة استعمال تلك العصابات أسلحة غير معروفة من قبل.

الفسفور، القديم الجديد، الحارق والمحرّم استعماله ضد المدنيين أمطروا به المناطق الآهلة بسكانها، وأسلحة فتاكة جديدة صبّوا حِممها على رؤوس المدنيين. ولعل أهم الشهادات على استعمال الأسلحة المحرمة دوليا والأسلحة الجديدة شهادة مارك كارلاسكو الخبير العسكري بمنظمة هيومن رايتس ووتش عند زيارته للأراضي المحتلة.

تنفي إسرائيل كل شيء عن انتهاكها للقوانين الدولية أو ارتكابها لأعمال ترقى إلى الوصف بأنها جرائم الحرب.. وكان تعليق كارلاسكو على هذا النفي المتكرر منشوراً في هاآرتس: "لقد قالوا إنهم لم يستعملوا القنابل الانشطارية في لبنان، ووجدنا منها أربعة ملايين. إنهم يتهربون من الرّد بشأن استعمالهم الفسفور، ونحن نشاهده هنا كل يوم. إنهم يدّعون أنهم ضربوا شاحنة مملوءة بصواريخ جراد، ويقول الشهود إنها صواريخ غاز الأكسجين. ليس كل شيء طويل صاروخ. كيف يمكننا أن نثق بشيء يصرح به العسكريون الإسرائيليون؟"

استعمال الجديد والفتاك ليس حكراً على شعب دون غيره. وإن كان ذلك غير متيسّر لحركات المقاومة العربية اليوم، فإنه سيكون كذلك في غدٍ غير بعيد. الجديد قد يكون قنبلة ’قذرة‘ رخيصة، وقد يكون استهداف عصب عملياتهم من اتصالات تربط القيادات بالميادين وتوجّه الصواريخ وتحدّد المواقع الجغرافية، وأقمار تجسس، ومراكز معلومات، وغير ذلك كثير مما هو حرجٌ مميت. سيكونون عندها، مثلما يقول السيد نصر الله، أوهن من بيت العنكبوت.

 يبذرالإجرام والهمجية والتحلل من الوازع أخلاقي  بذور الكراهية والتوق إلى الثأر واستعادة كرامة مهدورة لدى المظلومين. في دير البلح والفلوجة والإسكندرية وقسنطينة، وبطول الوطن وعرضه، شبابٌ يحلم بالجديد ـ ثأراً وردعاً. والبعض سينجح يوماً ما، محيلاً أحلام المجرمين، من يهود وعرب، إلى كابوس عظيم.

الابتكار وتطويع العلوم لخدمة أهداف ومصالح الأمم لم يكن يوما حكراً لأحد.

ويوم الثأر والردع واستعادة الكرامة قادم لا محالة. 

 

2009.01.20

بيان غزة

بيان غزةGallery-Gaza-air-strikes--001.jpg

قصيدة للشاعر تميم البرغوثي، في أبياتها لوعة وحُرقة إنسانية بحتة، تعبّر عن شعور يحسّ به كلّ إنسان سويِّ الفطرة. وفيها أبيات أبت أن تتفجّر غضباً ولَعناً، بل أحاطها شاعرنا بأدب جميل.. فصبرُنا جميل وصفحُنا جميل وهجرًنا جميل. هكذا يصف كتابُنا صبرَنا وصفحَنا وحتى هجرَنا. والقصيدة، رغم ذلك، مزلزِلةٌ لضمائر قد لا تكون ماتت بعد، من ضمائر أولي الأمر.

لننظر إلى أبيات مختارة، وما فيها من أنَفةٍ وإيمان بأن النصر قادم:

إذا ارتاح الطغاة إلى الهوانِ    *    فذكّرهم بأن الموتَ دانِ

نحاصَرُ من أخٍ أو من عدوٍّ      *     سَنَغْلِبُ، وحدَنا، وَسَيَنْدَمَانِ

سَنَغْلِبُ والذي جَعَلَ المنايا       *     بها أَنَفٌ مِنَ الرََّجُلِ الجبانِ

نقاتلهم وَظُلْمُ بني أبينا            *      نُعانِيه كَأَنَّا لا نُعاني

نُقَاتِلُهم كَأَنَّ اليَوْمَ يَوْمٌ             *     وَحِيدٌ ما لَهُ في الدهر ثَانِ

بِأَيْدِينا لهذا اللَّيْلِ صُبْحٌ            *     وشَمْسٌ لا تَفِرُّ مِنَ البَنَانِ 

القصيدة كاملة:

بيان عسكري

 

 

Read more ...

2009.01.19

الاستعمار القديم لم يمت

الاستعمار القديم لم يمتbrown-olmert.jpg

بعد انتهاء العرس اليهودي الذي قُتل فيه البشر والزرع، ودُمِّرت المنازل والمساجد والمدارس وحتى المقابر، قد يتوقع الطيبون منّا أن يتوجه زعماء الاستعمار القديم ـ إذا كان لهم القدوم إلى منطقتنا ـ إلى أهل الضحايا مواسين ومعبّرين عن تعاطفهم لما نزل بهم من أهوال. ذلك توقعٌ ينسجم مع إنسانيةٍ يتبجّح بها عجائز الاستعمار القديم ليلَ نهار. ولكننا شاهدناهم يتوجّهون بدلاً من ذلك، إلى القتلة.. معبّرين عن وقوفهم معهم، ومؤكّدين التزامهم بمنع الضحية من الحصول على سلاح يدفع به الظلم والعدوان. 

آن للعرب بعد غزة أن يعرفوا أعداءهم..

2009.01.18

المجد للمعتدلين

عندما ينعدم الحياء

Gallery-Withdrawal-from-G-002.jpg

شبع اليهود قتلاً وارتووا دماءً ورقصوا طرباً فوق جثث وركام ورماد. ولكنهم لم ينالوا من صلابة شعب آمن بحقه في الحياة كريماً فوق أرضه.. في غزة هاشم. سطّر شعب غزة ملحمة أسطورية دفع فيها الثمن غالياً دماءَ نساءٍ ماجدات وأطفالٍ أبرياء وأبطالٍ وقفوا وحدهم دفاعا عن أمتهم ومقدساتها.

وانتهى عرس التقتيل اليهودي. الواجب عندها يقضي أن يقف العرب إجلالاً لصمود شعب غزة بشهدائه ومجاهديه. ولكن ما رأيناه يختلف.

 لقد اتضح أن توقف آلة التقتيل والتدمير اليهودية كان نتيجة تدخل رئيس دولة عربية كبرى لدى اليهود. ووقف أولمرت نفسُه معلناً أن قرار وقف إطلاق النار أتي استجابة لدعوة ذلك الرئيس العربي. وتقاطر زعماء الدول الأوروبية على شرم الشيخ (ما في غيرها) فذلك الرئيس نفسه حريص الآن على إيصال المساعدات الإنسانية إلى المخلوقات ساكني ذلك السجن الكبير. وهو كذلك حريص على منع تسليح الفلسطينيين. وهو يعمل كلّ ذلك من أجل أمته ومصالحها.

المجد لرؤسائنا العظام، والحياة لهم، والوطن لهم، وثروات الأمة لهم، ولأولادهم من بعدهم. أما الذي استشهد والذي ينتظر، فقد كانوا هم المخطئين .. لأن الرئيس المعتدل الكبير كان قد حذّرهم مما هو قادم، تماماً مثلما حذر صدام حسين قائلاً له ’أنا شايفها سودة‘. كان بإمكانهم أن ينضووا تحت عباءة سلطة عباس مستسلمين، ولكنهم رفضوا.... يستاهلوا...

أبواق المأجورين تضخّم الأقزام وتنسى الكبار من الشهداء والصابرين... ولك الله يا مصر.

الصورة عن الجارديان   

2009.01.17

العرس الخائب

العرس الخائبGallery2-9778.jpg

كيف ستكون، في تصور مصر، أجمل خاتمة لعرس القتل اليهودي في غزة؟

نجد الإجابة في مقالة لصحيفة جروسالم بوست الصهيونية. فهي تقول أن تلك الخاتمة المرجوّة لدى مصر تقضي بعودة محمود عباس إلى موقع السلطة في غزة، يتلوها برنامج إعادة إعمار دولي ببضعة مليارات، تنفذه حركة فتح وسط ترحيب شديد. وتُبعث الحياة من جديد على معبر رفح طبقاً لاتفاق سنة 2005 الذي وضع الأمن بيد عباس، مع عودة المراقبين الدوليين والكاميرات الإسرائيلية لمراقبة ما يدخل وما يخرج. وتستمر الصحيفة في رسم ذلك التصور المصري المرجو، مضيفة قبول حماس بتمديد رئاسة عباس وبدور الشريك الأصغر في حكومة مصالحة وطنية.

تقول الصحيفة أن هذا التصور المأمول يحل مشاكل كثيرة للإسرائيليين وللعرب المعتدلين وللغرب، لو أن حركة فتح كانت قادرة بالفعل على إعادة إعمار غزة وحكم مواطنيها بإخلاص وضبط الحدود. ولكن الجيروساليم بوست ترى أن الخيبة ستكون ـ في الغالب ـ في انتظار أولئك الذين يضعون آمالهم في سلطة ترأسها فتح.

ومن الأحداث والأخلاق وأنماط السلوك ما لا يوجد تعليق يفيه حقَّه. حال مصر يدعو إلى الرثاء... و بَسْ.

 

2009.01.15

أمة منكوبة

أمة منكوبةkatsav%20beilin%20rabbo.jpg

تناولت الإفطار ثم توجهت إلى التفلزيون حتى أعرف من "الجزيرة" ما استجد منذ الليلة السابقة،  داعيا إياه أن ينصر الذين نصروه وأن يخفف عن المظلومين والمقهورين في غزة وكلِّ أمّتها.

 فتحت التلفزيون مستعيذاً بالله من الشيطان الرجيم، فظهر أمامي على الشاشة أول ما ظهر السيد ياسر عبد ربه. كان متجهم الوجه حينما أعلن قرار حكومة عباس ـ في اليوم 19 للحرب ـ باعتبار غزة منطقة منكوبة !!!!!!!

نعم هي منكوبة وكذلك أمتها... منكوبة بك يا سيد عبد ربه وبسادتك الصغار، ومنذ زمن يعود إلى ما قبل التسعة عشر يوما بسنوات بعيدة. غزة وأمتها منكوبتان بمن هم متسلّطون عليهما من عملاء وأسر فاسدة وأثرياء قتلت التخمة فيهم النخوة والمروءة والحياء.

لم يعد ـ منذ زمن بعيد ـ في أخبار العرب ما يصدم، فقد اعتدنا سماع أخبار الهزائم والخيانة والسفه والجنون والمجون حتى تبلّد الحِسُّ فينا. لم يعد في الأخبار ما يفرح أو يبشر بخير. وإذا كان لنا تحديد تاريخ فاصل بعينه فسنشير إلى أول أيام المهانة سنة 1977، حين زار السادات فلسطين المحتلة، وما تلاها من تسليم مصر بحق اليهود في أرض فلسطين (لا فرق هنا بين بلفور والسادات) مقابل استعادة مشروطة لسيناء. بذلك خرجت مصر من جلدتها وأدارت ظهرها لأمتها. واستمر العرب رغم ذلك يتوقعون من مصر "العربية" أن تقوم بواجبات تمليها عليها عروبة تنكرت لها وانقلبت عليها.

واجتهدت مصر في أداء الدور المناط بها، فجرّت الأمة بأكملها إلى خاتمة مصر نفسها: استسلام وتسليم في الأرض والحقوق... والثمن بضعة مليارات كل عام وضمان لاستمرار جلوس الجالسين على الكراسي وأولادهم من بعدهم... وما فيش حد أحسن من حد.

بقي في الساحة نفر من المتطرفين و’عملاء إيران‘ وجب استئصالهم حتى تخلو الساحة تماما للصفقة النهائية... فكانت حرب عرب الاعتدال مع إسرائيل على لبنان في 2006 وعلى غزة في 2008. العدو المعلن في الحالتين عملاء إيران، وقد يكون عملاءَ فنزويلا في حربهم الثالثة.

كأنك قد عثرت وفرقة رام الله على كشف مبين يا سيد عبد ربه.. 

ليس منا من لا يعرف أن الأمة كلها منكوبة ـ بكم ـ وليس فقط غزة. 

ولا حول ولا قوة إلا بالله.  

 

All the posts