2008.08.30
أين وما العلاج
أين وما العلاج
للمرة العشرين آتي إلى تونس لغرض العلاج. لقد تجوّلت في تونس العاصمة هذا اليوم، فذكّرتني مصحّاتها وعياداتها ومختبراتها بجراحةٍ أُجريت لوالد وأخرى لقريب وعلاجاً لقريب آخر. لقد شُفِي مَن شُفي وانتقل إلى رحمة الله من انتقله
يأتي الليبيون هرباً من مستشفيات بلادهم، فلا ثقة لديهم في تشخيص أو تمريض أو اختبار أو علاج. تواصل المستشفيات العامة انحداراً بدأ منذ عقود، وتواصل المستشفيات الخاصة تجارةً بدأت منذ بضع سنين. والمريض في الحالتين خاسر لصحته أو ماله أو كرامته، أو لأكثر من واحدة منهاه
معذورون هم في المستشفيات الليبية لو اقتصر الأمر على نقصٍ في المعرفة والخبرة والتدريب أو التجهيزات (نتيجة الحصار!)، ولكن الأمر يتجاوز ذلك كله إلى أخلاقيات المهنة نفسها. فالمريض وأقاربه يتوسلون الاهتمام والرعاية، وقليل مَن يغيثهم بموعد أو فحص أو إيواء من دون توسّل أو وساطةه
يرى الطبيب الليبي في نفسه إلهاً، على المريض وذويه أن يتعبّدوا في حضرته، وأن يقبلوا كل ما يصدر عنه. لا يلتزم بموعد، ولا يبسط أسارير وجهه في وجه أحد، ولا ينطق بكلمةٍ طيبة. إنه يمارس سطوةً وسلطة على جمهورٍ من المحتاجين إليه. هي فرصته لممارسة سلطةٍ ما، وكلٌّ في مجتمعنا يمارسها على شاكلته. هي فرصة نتلمّس من خلالها احتراما مفقوداً في حياته العامة أو الخاصة.. أو كليهما معاً
التوبيخ سيكون من نصيب المريض المسكين إذا ما سبق له طلب العلاج في تونس أو الأردن أو غيرهما، والطعن في الكفاءة من نصيب أطباء الخارج. لا يُفهم سببٌ لغضب الطبيب في تلك الحالة سوى وقوفه وجهاً لوجه أمام انعدام ثقة المواطن في منظومة الرعاية الصحية الليبية، وإسقاط الطبيب لتلك الحقيقة على شخصه. والحديث عن الطبيب ينسحب على غيره من موظفي الخدمة العامة، والأمناء من كل فئاتهم، وعلى كلّ مَن للمواطن عنده حقٌّ أو مصلحةه
الطريق طويل أمام مؤسساتنا لكي ترقى إلى مستويات مقبولة... بمقاييس عالمنا الثالث لا أكثر. فذلك رهن بالتخلص من الارتجال والمزاجية وسوء الإدارة. وهي صفات رافقت اعتبار الليبيين أنفسَهم جميعاً، ومن دون اعتبارٍ لشروط العلم والخبرة والخلق، مؤهلين لإدارة وقيادة مؤسسات ومرافق الدولة، ومؤتمنين على مصالح العباد في أرواحهم وأرزاقهمه
والمسافة بعيدة بين ثقافة سائدة وأخرى كفيلة بتشكيل سلوك وعلاقات الأفراد على النحو الذي نتمنّىه
والاعتذار واجب من كلّ الذين يشهد لهم مرضاهم، قبل غيرهم، بالمهنية وسموّ الخلقه
11:20 Posted in يوميات | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this | Tags: ، مهنة، أخلاقيات ،علاج، تونس، طبيب، مزاج، سلوك، مستشفيات ليبيا
2008.08.25
الانتماء لمن بادوا
الانتماء لمن بادوا
حضارات كبرى بادت تاركةً آثارَها من حجارة وفنون وجثث محنطة شاهداً على عظمتها. وانقطعت صلة تلك الحضارات بالأجيال التي عاشت على نفس الأرض بعدها بآلاف السنين. حتى اللغة أصبحت غير اللغة والدين غير الدين. حضارة قدماء المصريين مثال متسق مع غيره من الأمثلة التي لا تُحصى، وليست استثناء. علاقة مصريّي
هذا الزمان بأطلال قدماء المصريين ومومياءاتهم لا تختلف، فيما أرى، عن علاقة عرب الجزيرة بحضارة قوم هود وأطلال إرم ذات العماد ‘التي لم يُخلق مثلها في البلاد’ [الصورة من إرم ذات العماد بسلطنة عُمان... كُشف عنها منذ سنوات قليلة]ه
إلا أننا نجد الكثير من المصريين ـ والأقباط منهم على وجه الخصوص ـ يصرّون على الانتساب لعصر الفراعنة في محاولة للابتعاد، لكي لا نقول التبرؤ، من الانتساب للحضارة العربية الإسلامية. يجد ذلك الادّعاء هوى عند البعض إرضاءً لغرور غير خفي، زيّنه الغرب المستعمِر للمصريّ المنبهر. ولم يكن غرض الغرب من ذلك أكثر من سلخ مصر عن واقعها الحي وأمتها وحضارتها العربية الإسلامية، فكانت الأطلال والمومياءات ه
وما أسهل ما نقع فيما يُنصب لنا من أفخاخ ه
11:45 Posted in يوميات | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this | Tags: فراعنة، هود، عاد، إرم، أطلال
2008.08.20
لهم دينهم ولنا دين
لهم دينهم ولنا دين
ويستمرّ النجاح الصيني في تنظيم الألعاب الأولمبية في بيجين، ويستمرّ حصاد الصين للذهب، ويستمر الإعجاب. ويجيء ذلك بعد حفل افتتاح أبهر العالمه
لا تقف روعة الحفل عند جمال اللوحات والأداء ودقة التنفيذ، فالذي يثير قدراً مماثلا من الإعجاب هو كون الأفكار والتصاميم والإخراج والتنفيذ جميعها صينية؛ لم تُستورد من هوليوود أو لندن أو باريس. كانت الصين، بتاريخها وثقافتها، حاضرةً، تؤكّد للعالم أنها أمةٌ حية، نبضها متواصلٌ بنبض أجيال متتابعة على مدى آلاف السنين. لقد اختلط إمتاع المشاهد بتذكيره بإنجازات الأمة الصينية، من الكتابة والورق والطباعة إلى البارود والبوصلة. موسيقاهم كانت حاضرة ومسرحهم ورسومهم وشتى أنواع فنونهم. حتى استعراض الفرق المشاركة، الذي يتم عادة حسب تسلسل الأبجدية اللاتينية لأسماء الدول، حرصوا على أن يكون صينيا، رغم عدم وجود أبجدية صينية، فكان ترتيب الدول مرتبطا بشـكل كتـابة أسمائها باللغـة الصينية. ولم تغب عن الحـفل روح التـوافق (الهارموني) التي هي في صلب ثقافتهم والعلاقات فيما بينهم ومع الطبيعة. الصينيون يبنون حضارةً جديدة تأسيساً على كل ذلك؛ لا يهدمونه لكي يستنسخوا حضارة الغير. وهم مع ذلك يطلبون العلوم والتقنية والمعارف المعاصرة حيثما كانت، ويبرعون فيهاه
أبلغت الصين العالم الذي تابع الحفل أن معجزتها الاقتصادية لن تسلخها عن تاريخها وثقافتها، قائلةً أن لها دينها وللآخر دينه ه
والعرب يخاطبون الصين قائلين أن لهم دينهم وللصين دين. العرب اختاروا الاندثار. ذلك هو اختيار حكامهم على الأقله
09:05 Posted in يوميات | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this | Tags: أولمبية، بيجين، استنساخ، افتتاح، صين
2008.08.07
كانت هناك درنة
كانت هناك درنة
حجرٌ منحوت نُصب عليه صنبور ماء، ما يسمى بالفسقة، يتوسط ميدانا صغيراً من أجمل البقع في مدينة درنة القديمة، هو سوق الخرّازة. يعود تاريخ هذا المَعْلم الجميل إلى عهد هجرة أندلسية إلى المدينة. كيف يتصوّر عاقل أو ذو حسٍّ أنه يمثل عائقاً أمام تطور أو حتى مرور بشر أو بهائم على الأقدام؟ه
تمنيت أنني لم أطلع على موقع فيلادلفيا هذا الصباح، ففيه مقال لمحمد بوسويق عن تكسير هذا المَعْلم الجميل القديم قدم نكبة الأندلسه
لقد تعايشت هذه الفسقة مع أهل المدينة وعمدائها من كل الألوان وحكامها العسكريين ومستعمريها، وسُرّت بها الأنظار. التقط لها زوار المدينة ومحتلوها الصور، عادوا بها إلى بلدانهم وأودعوها متاحفهم (جالري أوستراليا الوطني للصور الفوتوغرافية مثال). ولكن للبعض منا رأي آخر، فلا زلت أذكر مرور ليبيّيْن بهذا الفسقة توقّفا عند أجانب يلتقطون لها الصور، وكان تعليق أحدهما للآخر (توّا هذي إيش فيها ما يصوّروا؟). استعدت ذلك التعليق عند قراءتي لخبر تكسيرها. هل يكون أحد هذين الليبيين قد وصل، زاحفاً أو صاعداً أو متسلقاً، إلى أعلى هرم السلطة في المدينة؟ أم هو أحد المغرر بهم رأى رجزاً توهّم أنه يُعبد، وتصوّر في نفسه أبا الأنبياء إبراهيم؟ه
ورافق هذا المقال مقال آخر لصافيناز المحجوب تصف فيه ما آلت إليه المدينة من قذارة وقمامة، بفعل إهمال المسؤول وسلوك المواطن ه
ما حدث على مدى عقود من الزمن كان تدنّيا مريعاً في القِيَم والحِسّ وأخلاقيات
ممارسة السلطة. لقد طغى النزوع إلى التكسير والهدم وإبدال الجميل في المدينة ـ وفينا ـ بما هو قبيح. لقد طغى القبح على كل جميل، فأشبعه هدماً وتكسيرا. للقبح مؤسسون، لم تكن عمارة الأرض في يوم من الأيام غايتهم، والقبح لهم طبيعة ثانية. هم لا يحبون الجمال لأنهم لا يرونهه
ـ "أليس منكم رجل رشيد" صدق الله العظيمه
13:00 Posted in يوميات | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this | Tags: درنة، فسقة، خرازة، قمامة، صافيناز، فيلادلفيا، بوسويق



