« الذّوق... طه حسين | HomePage | وحدهم في الجنة »
2008.01.05
هذي بلادٌ ...لم تعد كبلادي
هذي بلادٌ... لم تعُد كبلادي
أُولى ليالي العام الميلادي الجديد كانت مناسبةً لكي تقدّم بعض القنوات الفضائية العربية وجباتٍ دسمةً من الرقص والغناء، ومن تنبّؤات المنجّمين وغيرِها من أصناف السّفَه، إلاّ أن السهرة مع برنامج العاشرة مساءً لمنى الشاذلي على قناة دريم كانت مختلفة ه
خُصّصت السهرة بأكملها لحوارٍ ممتعٍ مع الشاعر الكبير فاروق جويدة، الذي اختتمها بقصيدةٍ جديدة له، صاغها على لسان واحدٍ من شباب مصر الذين غرقوا في مياه البحر الأبيض المتوسط، بعد أن ضاقت بهم السُّبُل في مصر ه
تمثّل القصيدةُ شهادةَ إدانةٍ لدولةٍ فشلت في تحقيق العيش الكريم لمواطنيها. والدولة هنا تشمل نظام الحكم والطبقة السياسية والعاملين بقطاعات الأعمال والإعلام والعلماء والمثقفين وكل من له نصيبُ تأثيرٍ في قضايا الشأن العام. وبالقصيدة خيوطٌ من الأسى على ما حلّ بالوطن صوّره الشاعر في قصيدته ’كانت لنا أوطان‘ه
والإدانةُ هنا تمتدّ إلى ما هو أبعد من ذلك عندما نتعرّف على نتائج استطلاعاتٍ للرأي في مصر أُعلنت في نفس السهرة. لقد سُئِلت في أحد تلك الاستطلاعات عيّنة من المواطنين عن أكثر الأيام حزناً سنة 2007، فكان الجواب يومَ خسر الأهلي المصري مبارةً في كرة القدم أمام النجم الساحلي التونسي!! ه
ومن دون كثير عناء نستطيع تصوّر كلمات هذه القصيدة على لسان غرقى كلّ الوطن من أقصاه إلى أقصاه؛ فالغرق لا يكون في الماء فقط ه
هذي بلادٌ لم تعُد كبلادي:ه
كم عشتُ أسألُ: أين وجهُ بلادي
أين النخيلُ وأين دفءُ الوادي
لاشيء يبدو في السَّماءِ أمامَنا
غيرُ الظلام ِوصورةِ الجلاد
هو لا يغيبُ عن العيون ِكأنه
قدرٌٌ.. كيوم ِ البعثِ والميلادِ
قَدْ عِشْتُ أصْرُخُ بَينَكُمْ وأنَادي
أبْنِي قصُورًا مِنْ تِلال ِ رَمَادِ
أهْفـُو لأرْض ٍلا تُساومُ فَرْحَتِي
لا تَسْتِبيحُ كَرَامَتِي .. وَعِنَادِي
أشْتاقُ أطفالا ً كَحَبَّاتِ النَّدَي
يتَرَاقصُونَ مَعَ الصَّبَاح ِالنـَادِي
أهْفُو لأيَّام ٍتَوَارَي سِحْرُهَا
صَخَبِ الجِيادِ.. وَفرْحَةِ الأعْيادِ
اشْتَقْتُ يوْمًا أنْ تَعُودَ بِلادِي
غابَتْ وَغِبْنَا .. وَانْتهَتْ ببعَادِي
فِي كُلِّ نَجْم ٍ ضَلَّ حُلمٌ ضَائِعٌ
وَسَحَابَة ٌ لَبسَتْ ثيَابَ حِدَادِ
وَعَلَي الْمَدَي أسْرَابُ طَيرٍ رَاحِلٍ
نَسِي الغِنَاءَ فصَارَ سِْربَ جَرَادِ
هَذِي بِلادٌ تَاجَرَتْ فِي عِرْضِهَا
وَتَفـَرَّقَتْ شِيعًا بكُلِّ مَزَادِ
لَمْ يبْقَ مِنْ صَخَبِ الِجيادِ سِوَي الأسَي
تَاريخُ هَذِي الأرْضِ بَعْضُ جِيادِ
فِي كُلِّ رُكْن ٍمِنْ رُبُوع بِلادِي
تَبْدُو أمَامِي صُورَة ُالجَلاّدِ
لَمَحُوهُ مِنْ زَمَن ٍ يضَاجِعُ أرْضَهَا
حَمَلَتْ سِفَاحًا فَاسْتبَاحَ الوَادِي
لَمْ يبْقَ غَيرُ صُرَاخ ِ أمْسٍ رَاحِلٍ
وَمَقَابِر ٍ سَئِمَتْ مِنَ الأجْدَادِ
وَعِصَابَةٍ سَرَقَتْ نَزيفَ عُيُونِنَا
بِالقَهْر ِ والتَّدْليِس ِ.. والأحْقَادِ
مَا عَادَ فِيهَا ضَوْءُ نَجْم ٍ شَاردٍ
مَا عَادَ فِيها صَوْتُ طَير ٍشَادِ
تَمْضِي بِنَا الأحْزَانُ سَاخِرَة ًبِنَا
وَتَزُورُنَا دَوْمًا بِلا مِيعَادِ
شَيءُ تَكَسَّرَ فِي عُيونِي بَعْدَمَا
ضَاقَ الزَّمَانُ بِثَوْرَتِي وَعِنَادِي
أحْبَبْتُهَا حَتَّي الثُّمَالَة َ بَينَمَا
بَاعَتْ صِبَاهَا الغَضَّ للأوْغَادِ
لَمْ يبْقَ فِيها غَيرُ صُبْح ٍكَاذِبٍ
وَصُرَاخ ِأرْض ٍفي لَظي اسْتِعْبَادِ
لا تَسْألوُنِي عَنْ دُمُوع بِلادِي
عَنْ حُزْنِهَا فِي لحْظةِ اسْتِشْهَادِي
فِي كُلِّ شِبْرٍٍ مِنْ ثَرَاهَا صَرْخَةٌ
كَانَتْ تُهَرْولُ خَلْفَنَا وتُنَادِي
الأفْقُ يصْغُرُ، والسَّمَاءُ كَئِيبَة
خَلْفَ الغُيوم ِأرَي جِبَالَ سَوَادِ
تَتَلاطَمُ الأمْوَاجُ فَوْقَ رُؤُوسِنَا
والرَّيحُ تُلْقِي للصُّخُورِ ِعَتَادِي
نَامَتْ عَلَي الأفُق البَعِيدِ مَلامحٌ
وَتَجَمَّدَتْ بَينَ الصَّقِيِع أيَادِ
وَرَفَعْتُ كـَفِّي قَدْ يرَانِي عَاِبرٌ
فرَأيتُ أمِّي فِي ثِيَابِ حِدَادِ
أجْسَادُنَا كَانَتْ تُعَانِقُ بَعْضَهَا
كَوَدَاع ِ أحْبَابٍ بِلا مِيعَادِ
البَحْرُ لَمْ يرْحَمْ بَرَاءَة َعُمْرنَا
تَتَزاحَمُ الأجْسَادُ .. فِي الأجْسَادِ
حَتَّي الشَّهَادَة ُرَاوَغَتْنِي لَحْظَةً
وَاستيقَظَتْ فجْرًا أضَاءَ فـُؤَادي
هَذا قَمِيصِي فِيهِ وَجْهُ بُنَيتِي
وَدُعَاءُ أمي .."كِيسُ" مِلْح ٍزَادِي
رُدُّوا إلى أمِّي القَمِيصَ فَقَدْ رَأتْ
مَالا أرَى منْ غُرْبَتِي وَمُرَادِي
وَطَنٌ بَخِيلٌ بَاعَني في غفلةٍ
حِينَ اشْترتْهُ عِصَابَة ُالإفْسَادِ
شَاهَدْتُ مِنْ خَلْفِ الحُدُودِ مَوَاكِبًا
للجُوع ِتصْرُخُ فِي حِمَي الأسْيادِ
كَانَتْ حُشُودُ المَوْتِ تـَمْرَحُ حَوْلَنَا
وَالْعُمْرُ يبْكِي .. وَالْحَنِينُ ينَادِي
مَا بَينَ عُمْر ٍ فَرَّ مِنِّي هَاربًا
وَحِكايةٍ يزْهُو بهَا أوْلادِي
عَنْ عَاشِق ٍهَجَرَ البـِلادَ وأهْلَهَا
وَمَضي وَرَاءَ المَال ِوالأمْجَادِ
كُلُّ الحِكَايةِ أنَّهَا ضَاقـَتْ بِنَا
وَاسْتَسْلَمَتَ لِلِّصِّ والقَوَّادِ
في لَحْظَةٍ سَكَنَ الوُجُودُ تَنَاثَرَتْ
حَوْلِي مَرَايا المَوْتِ والمِيَلادِ
قَدْ كَانَ آخِرَ مَا لَمَحْتُ عَلَي الْمَدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجَلاّدِ
قَدْ كَانَ يضْحَكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلَهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالْكَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فَمِي
هَذِي بِلادٌ .. لمْ تَعُدْ كَبِلادِي
00:15 Posted in مختارات شعرية | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this | Tags: فاروق جويدة، هذي بلاد، العاشرة، الشاذلي، غرقى، لم تعد كبلادي
Trackbacks
The URL to Trackback this post is: http://khawa6ir.blogspirit.com/trackback/1456459
Post a comment
NB: Comments are moderated on this weblog.



