« مصلحة الأمة وسياسة الحكام | HomePage | الذّوق... طه حسين »
2007.12.31
التحنّط السلفي
التّحنّط السلفي .. مسألةٌ للبحث
استوقفني مقال نشرته "ليبيا اليوم" الأسبوع الماضي بعنوان (قضية للبحث والحوار.. الشباب المتديّن بين التعامل الأمني وغياب الترشيد) كتبه الأستاذ رمضان أبوغالية. استوقفني لأنه يعرض بأسلوب مباشر لمسألة يفضّل أكثرنا أن يتجاهلها؛ هي مسألة التطرف والغلوّ الديني ـ السلفي ـ لدى الشباب. وهنا أشير إلى أن السلفية فيما يلي هي بمعناها الحركي لا اللغوي أو التاريخي، وأؤكد على التفريق بين التيار السلفي المسمّى بالجهادي والتيار السلفي الآخر (التعبّدي.. الطقوسي؟).. وأن الحديث منصبٌّ حول التيار السلفي التعبّدي تحديداًه
أغلق منتسبو هذا التيار الأبواب أمام كلِّ جديد بعد الإمام ابن حنبل، وزادوا على الأقفال أقفالاً بتتابع من يتبعونهم من أئمة حتى محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه. الحوار من جانبهم يدور خارج دائرة العقل، فالنصوص بظاهرها تحيط بهم من كلّ اتّجاه، ومُحاوروهم ممّن يختلفون معهم فاسقون أو ضالّون أو أهل بِدع. مذهبهم يأمر بطاعة ولي الأمر (الحاكم) وإن فجر، ويُبيح عقوق وليّ الأمر (الوالدين) بتخريجات نقلية لا يقبلها ذو عقل أو ذوق ه
مبتغاهم من الدنيا إتقان النقل والتقليد لكل حركة وكل عمل وصلنا عن السلف بأي طريق كان، مهما ضعُفت الرواية، وبغضِّ النظر عن المقصد أو السياق؛ تجدهم فرحين برياضاتهم الطقوسية واللحى والسراويل القصيرة والنقاب، متّخذين النقلَ، جيلاً عن جيل، طريقاً إلى الجنة ه
أما ضعاف الدين والعلم من آبائهم فنجدهم في شكٍّ من أنفسهم، عاجزين هم أيضاً عن محاورة أبنائهم؛ والطريق بذلك مسدودٌ من طرفيه ه
ويبقى العجائز وحدهم منبهرين ببركات الله التي حلّت على يديْ ’ولَيْدْنا‘ الشيخ. هؤلاء الشباب لا يقدّمون شيئاً ولا يؤخرون. ضررهم يكمن في غياب نفعٍ مفترض؛ ولا أظنهم بذلك يمثلون نموذجاً صادقاً لما ينبغي أن يكون عليه المسلم ه
هذا التيار لا يمثل خطراً على نظام حكم كيفما كان، فهو غير معنيّ بأنظمة الحكم أساساً؛ وعلى العكس من ذلك، نجده يأمر أتباعه بطاعة الحاكم (ولي الأمر) ولو كان فاجراً. هذا التيار حليف طبيعي لأنظمة الحكم متى كان همّها الاستمرار في الحكم ... وحسب ه
خطر هذا التيار، متى كانت له الغلبة، سيكون داهماً على المجتمع نفسه، وخطورته تكمن في أنه يشكّل عقول أتباعه على نمطٍ مثبّطٍ للتفكير الحر وللنظر العلمي في كنه الأشياء ومَنشئها وعلاقاتها؛ مثبِّطاً لما تحتاجه الأمة لتحقيق نهضتها. فازدهار الحضارة الإسلامية لم يتحقق أبداً في ظلّ ما يُسمى في أيامنا هذه بالسلفية، ولم يكن صُنّاعها أصحاب نقل وتقليد، بل كانوا مفكّرين ومبدعين منفتحين على حضارات الشرق والغرب ومدارسها الفكرية والفلسفية، نهمين في طلب المعرفة، جادّين في استجلاء الحقيقة أينما كانت ه
إن تعليمَ الدين عقيدةً وعباداتٍ ومعاملاتٍ وأخلاقاً، وتهذيبَ النشء تهذيباً إسلاميا، والتزامَ المجتمع نهجاً إسلامياً، وسهرَه على احترام الأفراد لأوامر الدين وتجنّب نواهيه، هي الكفيلة في مجموعها بوضع حدٍّ لهذا النزف البشري نحو الغلوّ والتطرف... نحو الجمود... و‘التّحنّط’ه
أستعرض فيما يلي جزءاً ملخصاً بتصرف (أستسمح الأخ أبو غالية عذراً في التصرف) من المقال المشار إليه: ه ه ه
ـ 1 ـ
ه قررت أن أترك الجامعة فهناك اختلاط والإختلاط محرم. أريد التوجه للعلوم الشرعية فهي أفيد في الدنيا والآخرة ه
ه وكيف سيتم ذلك؟ ه
ه سأتوجه إلى السعودية وأدرس هناك فهم يساعدون من لديه رغبة في الدراسة ه
ه وتترك دراستك بعد الجهد الكبير والمكابدة أنا وأمك حتى اجتزت المرحلة الثانوية بتفوق !!! ه
ه لا يهم. المهم أن لايضيع ديني ه
ـ 2 ـ
ه كيف تستمعون له فهذا الشيخ عنده ضلالات وفساد في العقيدة وقد حذر منه المشايخ؟ ه
ه وأنت من حتى تستطيع أن تحكم عليه، أنا متأكد أنك لاتجيد قراءة سطرين قراءة صحيحةه
ه لكن أهل العلم قالوا عنه... ه
ه ومن هم أهل العلم هؤلاء؟ ه ه
ه فلان وفلان ه ه
ـ 3 ـ
ه ـيا شيخ أنا في بلادي لايسمحون لي بإعفاء لحيتي ولا أستطيع الصلاة في جماعة أثناء الدوام ه
ه ـوجبت عليك الهجرة فهاجر واحتسب أجرك على الله ه
هذه قصص حقيقية تمثل تمثل الحيرة والقلق والتشويش التي تعيشها شريحة من الشباب الليبي المتدين ه
التدين عند المراهقين والشباب عادةً ما يتميز بالتشدد والتصوّر الأحادي لكل موضوع، و عادةً ما يكون مقلداً شديد التقليد رغم ادعائه أحياناً بأن التقليد مذموم ه
التيار المتديّن أو شباب الصحوة، كما يسمى، جزءٌ من التركيبة المجتمعية الليبية، تراه يملأ المساجد في الصلوات وكتاتيب القرآن، وترى مَظاهرَه في الشارع والمؤسسات. وهذا التيار ليس نسيجاً واحداً، ففيه الوسطي المعتدل وفيه المتشدد؛ المشدد على نفسه وعلى غيره ه
وهؤلاء جميعاً أبناؤنا، وإذا ما أحسنا التعامل معهم فإنهم سيشكلون ثروة حقيقية للوطن الذي نريد له نسيجاً واحداً متماسكاً يغزل بخيوط التدين الصحيح المعتدل البعيد عن التنطع وسؤء الفهم ه وهذا الإعتدال لا يعني بالضرورة تصوراً أحادياً يلغي التصورات الأخرى فميدان الوسطية والإعتدال فسيح. ولكن هذا لن يتأتى بأماني، بل يحتاج إلى بذل الجهد من جهات متعددة تتكامل أدوارها وتتناغم ه
من أسباب هذه الظاهرة: ه
ـ غياب الثقافة الدينية في الأسرة، وعدم تنشئة الأولاد تنشئة دينية صحيحة ه
ـ انعدام الحوار داخل الأسرة، فتكون المؤثرات من خارج البيت هي الأقوى، وفي بضعة أيام يظن الشاب أنه أصبح عالماً، ويقوم هو بدور الموجِّه في الأسرة وفقاً لتصوراته ه
ـ غياب الترشيد ومؤسسة الفتوى الذي نتج عنه اللجوء إلى علماء من خارج ليبيا [سعوديين في الغالب]. والأمر ليس مسألة استيرادٍ للفتوى والترشيد ـ إن جاز التعبير ـ فحسب، بل هو إعادة تشكيلٍ للشخصية عموماً؛ تمتد آثارُها إلى العلاقات الأسرية والإجتماعية ه فما الذي يمنع من تواصل العلماء والمشايخ مع الأجيال الجديدة في المساجد، تحت سمع وبصر المجتمع بما في ذلك أجهزته الأمنية؟ بذلك يتلقى الشباب العلم والثقافة الشرعية عن دراية ووعي، ويتجنّبون الكثير من الخلط الذي يجدونه في الكثير من الكتب والأشرطة وفتاوي الفضائيات ه
ـ النقص الكبير في المتخصصين في العلوم الشرعية من الشباب. هناك حاجة إلى تطوير مؤسسات تعليمية تمدّ المجتمع برجال ونساء يمتلكون ناصية العلوم الشرعية والدعوية؛ يرشدون المجتمع ترشيداً بعيداً عن الإسفاف والخرافات والتطرف ه
ـضعف برامج التوعية الإعلامية، فهناك حاجة إلى برامج تخاطب المراهقين وتتفهم مشاكلهم وتصحّح مفاهيمهم؛ برامج تخاطب الآباء والأمهات وتنبّههم إلى المخاطر التي يمكن أن ينزلق إليها أبناؤهم وبناتهم، وترشدهم إلى كيفية التعامل مع حالات الزيغ قبل أن تستفحل ه
ـاعتماد المعالجة الأمنية وغياب الحوار ه
المحافظة على أمن الوطن ونسيج المجتمع واجبٌ على كل الدول والحكومات، فالأمن مناط الاستقرار والسلام والطمأنينة. لكن الوسائل الأمنية وحدها، وإذا ما شابها شطط وإفراط، ستؤدّي إلى مزيد من التنطع والتطرف ه
إن التعليم والتثقيف المبكّر وثقافة الحوار المفتوح دون قيود هي التي ستفضي إلى احترام فكر الآخر واحترام القانون وما يحويه من حقوق وواجبات. فهذا الطالب الجامعي ـ مثلاًَ ـ الذي ذكرنا قصته من حقه أن يطالب بأن لا تتحول الجامعات إلى معارض أزياء أو أماكن إغواء، ولكلِّ مواطن الحق في أن يختار لمظهره أيّ [سْرافة] يشاء. إن الغلوّ والتطرف، اللذيْن يعنيان تضليل المجتمع وتكفيره، سيضمحلان أمام التنوير والحوار من أرضية إسلامية صلبة ه
19:30 Posted in يوميات | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this | Tags: تحنيط، سلفي، عقل، نقل، أبو غالية،
Trackbacks
The URL to Trackback this post is: http://khawa6ir.blogspirit.com/trackback/1453571
Post a comment
NB: Comments are moderated on this weblog.



