« لو رأيتَ يا عمر | HomePage | د. عاشور جبريل والوسام الملكي »

2007.06.21

الحجاب.. من زاوية مختلفة

الحجاب.. من زاوية أخرى

حجاب المرأة، جزئياً كان أو كاملاً، قضيةٌ شغلت حيّزاً كبيراً من الجدل بين المسلمين ما بين داعٍ له ومعارض. يتخذون من الدين مدخلاً ومن مختلف المراجع  الفقهية حججاً يدلّلون بها على صحة قناعاتهم في أيّ اتّجاه ذهبت. نجد فيهم تزمّتاً نقليّاً متعنّتاً ، كما نجد انفلاتاً بيّناً من مبادئ الدين نفسِها. ولا يخرج الجدل عن هذا الإطار العام إلاّ فيما ندره

محجّب الوجه مثَلُه مثل الممتنع عن الكلام. كلاهما كمٌّ غيرُ معلوم. ويحضرني هنا طلب سيدنا عليّ بن أبي طالب من الصامت بين الحضور: "تكلّم حتى أراك". وتكلّم د. نجيب الحصادي  فهبّت من فضاء العقل والنقد والحِسّ بما هو جميل وقويم نفحةٌ من هواءٍ عليل،  وكان منه ما يلي:-


الوجه باب الروح

 د. نجيب الحصادي

الخمار كالنقاب موقف أخلاقي، أكان المخمّر أو المنقب رجلا أم امرأة. قد تكون لهذا الموقف أصوله الدينية، وهذه مسألة خلافية، وقد يتعلق بخصوصيات ثقافية، نحترمها بمقتضى حقِّ الاختيار؛ غير أنه يثير قضايا إنسانية قد نغْفلها وفق تصورٍ شائه لمكْمَن تفرّد البشره

ليس الوجه مجردَ قطعةٍ أخرى من الجسد
. الوجه عشبُ الروحِ البازغُ من طين الجسد؛ بابٌ للمهجة، يواربه النقابُ ويوصده الخماره
العيون الموصوصة التي
يتلصّص الوجهُ المنقّب عبرَها على العالم، كاميرا علنية، عدساتٌ معاييرُها مزدوجة، فهي تصادر حق الآخرين في التجسس المتبادل. حياء المرء إنما يستبان من وجنتيهه
حنَق المرء إنما
يشي به جبينه المقطب. دهشة المرء، دهاؤه وتشفيه وسخريته؛ خفة روحه وسفه عقله؛ أسفه وشغفه، رضاه ونقمه؛ كلها في الوجه. لا شيء يبقى من الإنسان حين يخفى ما اعتمل في وجدانه من أفاعيل، وهو يخفيه حين يخفي وجهه. بطاقات هوياتنا تحمل صور وجوهناه  
وجوهنا ـ لا عيوننا ـ هي
أسماؤناه
حين
يخطر الراحلون على البال، تهطل وجوههم من غيم الذاكرة. أكثر من ذلك أن المرء لا يغدو كياناً أخلاقيا إلا بعد أن يصبح مسؤولاً عن وجهه.عِليةُ القوم وجهاؤهم، وفلانٌ كما نقول في عاميتنا "بوجهه"، نريد أن له قيَمه التي يلتزم بها، حياءه الذي يحول دون قيامه بما يجعل وجهه يحمرّ خجلاه  
غير أن هويّةَ المخمّر،
كهوية المنقّب، خفيّة. كلاهما كيانٌ قابع على تخوم الظلِّ والظنِّ والاشتباهه ولأن الهوياتِ الساطعةَ في نهارات العلن وحدَها التي تصنع كينونة المرء في المجتمع، فإنّ عضويته في أي مجتمع ناقصة، إلى أن يميط اللثام عن هويته، بكشف النقاب عن وجهه. المتسوّل المنقب أقل حرجاً في تسوله، والمعترف بخطاياه لقسيسٍ محجوبٍ عنه أكثرُ جرأة على الاعتراف. ذلك أنه ما كان للمرء أن يحرص على حفظ ماء وجهه لو أنه كان بلا وجهٍ يرى الآخرون ماءهه 
قبل أن نذبح الشاة،
نشيح بوجهها عن سكينة الذبح، حتى لا تراهاه
غير أننا نغطّي
وجهَ المحكومِ عليه بالإعدام، ليس لأننا لا نريده أن يرانا، بل لأننا لا نريد أن نراه. إننا نخشى على أنفسنا من رؤية الروح في عُريها وهي تجابه فناءها وتتصدى لآخر لحظات كينونتها. حين يكنّي الخالق عن تفرده بالخلود يقول: "كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهه"، يريد إلا إياه. حين نمجد عليّاً نقول "كرم الله وجهه"، وحين أراد الكليم أن يعرف الله، طلب منه أن يراه. لقد كان يكفيه من رؤية الله أن يرى وجهه، وما كان له أن يكفيه أن يرى غيره. ذلك أن وجه الله، هو الله نفسه.فأية علاقة ملتبسة بين المرء وجسده يشي بها الخمار والنقاب؟ أي مبرِّرٍ يجعل المرء يكمّم أقدس ما فيه، وأكثر ما في جسده إنسانيةً؟ ثم ما الذي يبقى لنا من الشِّعر لو كانت وجوه الخلق منقبة، وكان العالم يعجّ بالسواد؟هذا لا يعني أن المنقّب أقلُّ أخلاقية من السافر لمجرد أنه منقب؛ فكم من سافرٍ سافل. لكنه قد يعني أن حظوظ الاثنين من مكْمن تفرّدِ الإنسان ليست دائما متساويةه 
فيا أيها الملثَّم؛ أنت تراني،
وأنا لا أراك؛ فأرني وجهك حتى أراكه

23:30 Posted in من كتاباتهم | Permalink | Comments (0) | Email this | Tags: الحجاب، نجيب الحصادي، باب الروح، النقاب، الخمار، حتى أراك

Post a comment

NB: Comments are moderated on this weblog.