« العربية تبكي هذا الزمان | HomePage | قتل الهوية »

2007.05.28

العقل السلفي

تلخيص: العقل السلفي.. من التفكير إلى التكفير

 د. عـبدالحكيم الفيتوري

المنهج الحنبلي قائم على منهجٍ سجاليٍّ جدالي ينفي رؤيةً ليثْبت أخرى وينفي الأخرى ليثبت ذاتَه! ولم يكن تثبيتُ مفهومِ ذاتِه ممكناً إلا بإنشاء مفهومِ السنّة مقابل البدعة، فكلُّ ما لا يمكن دمجُه داخلَ مفهومِ السنّة بالرؤيةِ الحنبلية، وكلُّ ما يخرج عن حدودِ ذلك المفهوم يُعتبر ابتداعاً مذموماً ومخالفةً للدين. لهذا السبب كان هنالك توترٌ دائماً بين العقل والنقل، والسنة والبدعة، وبالتالي بين التقليد والاجتهاد، والحَرْفيّةِ والمقاصديّة، مما حدا بالعقل السّلفي إلى ممارسة الإقصاء والتهميش لكلِّ مخالفٍ لتلك المنظومة الحنبلية!ه


ولا يخفى أنه قد تربّى على أصول هذه المنظومة جمهرةٌ من الناس في الماضي والحاضر، وبالتالي ظهرت في أتْباعها خشونةٌ وإفراطٌ في إشعال معاركَ طاحنةً مع مَن يستخدم عقلَه في فهم الوحي تأويلاً وتعليلاً وتنزيلاً، ففي هذا السياق سجّل لنا الملف الشخصي للعقل السلفي الحنبليّ أصولاً وقواعدَ وفتاوى كثيرةً لا تزال تفتِك بوحدة الأمة وتبذُر عواملَ التشرذم والتناحر إلي يومنا هذا، منها مسائل التكفير والتبديع والقسوة والجرح والتعديل والتقوّل على الخصم والطعن في دينه، بل وتجويز قتلِه إن لزم الأمر، وإطلاقِ دعاوى الإجماع والاتفاق على ذلك!! وفي هذا الصدد أذكر بعض العيّنات من تلك الأصول والفتاوي التي مازالت تفتك بجسم الأمة المنهوكة صباحاً ومساءً وتوسّع من دائرة تشرذمها بإدخالها ساحات معارك تاريخية تحت طائلة (إسلام التاريخ)!ه
فقد ساق عبدالله بن أحمد بن حنبل (ت 290هـ) في كتابه ’السنّة‘ جملةً من اتهاماتٍ وشتائمَ لمن يستخدم عقله ورأيَه في النظر والتأويل، والفهم والتنزيل، أو تسوّل له نفسُه أن يتمرّد على منظومة العقل النقليِّ السلفي، كصحائفِ الاتهامات التي وُجّهت إلى أبي حنيفة إمام مدرسة العقل والرأي، والتي منها، باختصار، وصفُه بأنه: (كافر، زنديق، ما ولد في الإسلام أشأم ولا أضرُّ على الأمة منه، وأن الخمّارين خيرٌ من أتباع أبي حنيفة، وأنه لا يُسكن البلدُ الذي يُذكر فيه أبوحنيف، وأن استقضاء الحنفية على بلدٍ أشدُّ على الأمة من ظهور الدجّال، ... وأنه يترك الحديث إلى الرأي، وأنه يجب اعتزاله كالأجرب المُعدي بجربه، وأنه تَرك الدين، وأن أبا حنيفة وأصحابه شرُّ الطوائف جميعا ..)!
(1)ه
كذلك جاء في طبقات الحنابلة (لابن أبي يعلى)، عن أئمة الحنابلة وعلى رأسهم أحمد، استحلالُ دمِ مَن يقول بخلق القرآن، وأنه لا يُسمع ممّن لم يكفّرهم ولا يُسَلَّم عليه ولو كان من الأقارب، ولا تُشهد لهم جنائز ولا يعادون في مرضهم!
ه
ويقول الإمامُ أحمد: (يُستعان باليهود والنصارى، ولا يستعان بأهل الأهواء)! ( مناقب أحمد لابن الجوزي)، ومعلومٌ أنّ أهلَ الأهواء والبدع هم الذين خرجوا عن حدود منظومة العقل السلفي بالرؤية الحنبلية، وهم بالضرورة الذين جعلوا للعقل مكاناً عليّاً من حيث أنه مناط التكليف في فهم دلالات الوحي.
ه
ولن يجهد السلفيُّ عقلَه بالتفكير والتحليل، والنقد والتمييز، وإعادة النظر والمراجعة، مادام ’السلف‘ وعلى رأسهم ابن حنبل إمامُ أهل السنة والجماعة، قد قالوا قولَهم الفصْل في المخالف! ومعلومٌ أن هذه الأصول والقواعد لم تتمكن من عقول الناس إلا في المرحلة التي نال بعدها الإمام أحمد لقب (إمام أهل السنة والجماعة) بعد أن ظلّ المشكلُ السياسي يشّل بؤرةَ الصراع وأساس الافتراق بين الطوائف والذي سُلّت بسببه الألسن بالتكفير والسيوفُ بالمقاصل. ويبدو لنا ذلك من خلال أساليب الافتراء على الخصوم السياسيين والعقديين، كمثلِ زعمهم أن جهم بن صفوان كان يريد أن يمحو آيةَ (الرحمن على العرش استوى) ويزعمون بأنه يصلى على عيسى ولا يصلى على النبي محمد، وأنه يحلّ المسكر (انظر: السنة)، وقولِهم أن بشر المريسي وأصحابَه لا يدرون ما يعبدون (السنة)، وزعمِهم أن من قال القرآن مخلوق فهو يعبد صنماً، وأنه قد قال على الله ما لم تقله اليهود والنصارى (كتاب السنة). وقد عنْوَن عبدالله بن أحمد عنواناً في كتابه ( باب من زعم أن الله لا يتكلم فهو يعبد الأصنام. وزعم أن أبا حنيفة يزعم أن النبيَّ لو أدركه لأخذ بكثير من قوله. (انظر كتاب: السنة)
ه
وهكذا تدرّج العقلُ السلفي من إلغاء العقل إلى الإكتفاء بالنقل، ومن عدم التفكير إلى ضرورة التكفير والتبديع، ثم إلى ممارسة العنف ضد خصومه، وذلك ما وقع مع الإمام ابن جرير الطبري المؤرِّخ والمفسر المشهور، فقد حوصر في بيته حتى دُفن فيه، وادّعوْا عليه الرفضَ والإلحاد (انظر: مسكويه في كتابه تجارب الأمم). والحقيقة أن ابن جرير نقد عقلَ أحمد بن حنبل وعقيدتَه، ولم يعدّه من الفقهاء، فكان جزاؤه رمياً بالحجارة حتى الموت! وذكر ابن الأثير في حوادث 567 أنهم سمُّموا الفقيه البوري الشافعي فأصابه إسهال إلى أن مات من حلوى أعطاه إياه الحنابلة وكان يذمهم، ولقى أبوبكر بن فورك كذلك نفس المصير
(2)!ه
ومهما يكن من أمر فإن ثمة تقاربٌ وتداخلٌ بين العقدي والعملي، وبين العقل السلفي والعنف في المنظومة الحنبلية، وهذا التداخل هو الذي ورّط  جُلَّ الحركاتِ السلفيةَ المعاصرة (التقليدية - والجهادية) في إشعال معارك تاريخية بالنيابة في الأسماء والصفات، والهيئة واللباس، والتقليد والاجتهاد، والعقل والنقل، والتي أسفرت عن تكفيرٍ وقتلٍ وقتالٍ لا زالت رحاه مستمرة إلى يومنا هذا!
ه
ولعلّ إعادةَ النظر والمراجعة والفرز بين دائرة إسلام النص وإسلام التاريخ، وبين المقدس والبشري، وبين النص والفتوى، تتأكد عندما ننظر إلى واقع الأمة المزري وما آل إليه أمرُها من تناحرٍ وتخلّفٍ دشّنه التقليدُ والضمور وعدمُ الفهم والتجديد!
ه
يتبع ...
________________________

 (1) انظر كتاب السنة لعبدالله بن الإمام أحمد ،علما بأن محقق هذا الكتاب محمد سعيد القحطاني صاحب الولاء والبراء!ه
(2) والغريب بعد تلك المعارك الضارية لتثبيت العقل السلفي الحنبلي، يأتي من يوصينا بأن نتحنبل، كما قال اسماعيل الهروي صاحب كتاب مدارج السالكين الذي شرحه ابن القيم: أنا حنبلي ما حييت وإن أنا مت فوصيتي للناس أن يتحنبلوا!
ه

 

07:20 Posted in من كتاباتهم | Permalink | Comments (0) | Email this | Tags: عبد الحكيم الفيتوري، ابن حنبل، التقليد، التكفير، التجديد، خلق ال

Post a comment

NB: Comments are moderated on this weblog.