2010.01.30

قتلة محترمون

قتلةٌ محترمونBushBlairCampAP_468x425.jpg

نقلت الإذاعات على مدى ست ساعات طويلة وثقيلة من هذا اليوم جلسة التحقيق البريطانية في حرب العراق. كان موعدها هذه المرة مع واحدٍ من صانعي القرار فيها إلى جانب بوش وتشيني ورمسفلد وولفوتز وباقي عصابة المحافظين الصهاينة الجدد والمسكين كولين باول.

توقع البعض أن يشاهدوا تحقيقا حقيقيا يُرغم صانع القرار في الجانب البريطاني على البوح بأسرار أو الاعتراف بأخطاء. وذهب البعض من البريطانيين إلى توقع الاعتذار أو التعبير عن الأسف لأسر قتلى الحرب من الجنود البريطانيين (وليس من مئات الآلاف من أسر القتلى العراقيين أو من ملايين العراقيين لتدمير بلادهم).

لم يحدث شيء من كل ذلك. لأن المسرح كان معدّاً لشيءٍ آخر. كنا أمام منبر صنعته المؤسسة الحاكمة the establishment بكامل الطّيف الحاكم من محافظيها إلى عمالها وأحرارها، لتحمي واحداً من رموزها، ليظهر على الملأ مبرِّراً منظٍّراً مدّعياً سموّ المبدأ والهدف.. ليكذب ويزيّف.

اخترعوا كذبة استمرار امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وادّعوا حرباً على إرهابٍ لم يكن العراق منطلقه، وقال آخرون بل هو النفط. كان الأرجح عند البعض دائماً أن أمن إسرائيل هو ما كان وراء تلك الحرب، و"الإسرائيليون كانوا حاضرين" the Israelis were around في اجتماع مزرعة بوش في كروفورد ، ذلك الاجتماع الحاسم الذي لم يحضره أحد غير بوش وبلير. وهو أمن إسرائيل مرة أخرى في تحريضه المتكرّر أثناء هذا التحقيق على حرب جديدة ضدّ إيران هذه المرة.

وبوصفه زعيما من زعماء معسكر الخير، أسهب بلير في وصف صدام حسين بالوحشية والدكتاتورية ودعم الإرهاب (ألم يبعث بالمال لعائلات الاستشهاديين الفلسطينيين؟!).

مسكينة هذه الأمة كأنّ لا خيار أمامها غير القهر على أيديي أبنائها أو الدمار والقتل الجماعي على يد الغزاة وعملائهم.


2009.12.31

في عالم السلحفاة

في عالم السلحفاة

في عالمنا: نكتب رسائلنا على ورق، ونسلمها للسكرتيرة لكي تطبعها وتنمّقها باستخدام عدد من الخطوط العربية المتوفرة على برنامج images.jpgالطباعة. اسم المخاطَب بالرسالة سيكون كبيرا وداكنا بالديواني ربما، وكذلك اسم مرسِلها... بالكوفي ربما. توضع الرسالة في ملف البريد الوارد للتوقيع إن لم تكن بحاجة إلى تعديل. تنتقل الرسالة إلى المحفوظات حيث يُخصص لها رقم إشاري وتُختم ويُحتفظ بصورة منها في الأرشيف. قد تخرج الرسالة للتسليم إلى صاحب الشأن في نفس اليوم، وقد تتأخر يوما أو يومين أو أكثر، فذلك يعتمد على توفّر ساعٍ ينقلها وسيارة تخرج به. وكذلك هي سلسلة الرد: المحفوظات ـ البريد الوارد ـ الموظف المعني ـ الطباعة ـ المحفوظات ـ ساعي البريد ..... ذلك إن اتُّخذ إجراء أو جاء ردٌّ.

وفي العالم الآخر: البريد الإلكتروني (الإيميل) هو وسيلة التخاطب الطبيعية والمعتادة. يتم التخاطب بين المعنيين مباشرة، ويتم الرد في الكثير من الأحيان في الحال. فالبريد الإلكتروني مفتوح لاستقبال الرسائل والرد عليها طوال ساعات العمل وخارجها عن طريق الأجهزة المحمولة.

الخلاصة: الإخطار بمعلومة لدينا سيستغرق يومين (بتفاؤلٍ مفرط) فما فوق. و"ما فوق" هذه قد تطول لتستغرق أياماً عديدة أو حتى أسابيع. أما الإجراء بشأنها فلنقل إنه سيستغرق أسبوعا في أدنى تقدير، وفي أقصاه ما لا نهاية، لأسباب ستتراكم فوق نمط التخاطب التي نحن بشأنه. أما في العالم الآخر فإن الإجراء أو الرد في أقل تقدير، سيُتخذ في الحال.

وفي العالم الآخر سيكون هناك ردٌّ سلبا أو إيجابا، ومن دون تأخير. أما في عالمنا، فلا الردّ، حتى من باب اللياقة والاحترام، يُعتبر واجباً ولا هو متوقع.

مثال بسيط، ولكنه ملموس على ما ينجزونه في ساعات أو دقائق ويحتاج لدينا إلى أيام أو أسابيع... أو الدّهرِ كلِّه. وهذا مثال على وتيرة إنجاز الأعمال فقط. أما طبيعة الأعمال نفسها وأهدافها، فذلك أمرٌ آخر يطول الخوض فيه ويتشعّب.

نحلُم بالتقدّم... بأن نلحق! سلحفاةٌ تحلُم أن تلحق بسيارات في حلبةِ سباقٍ محموم لا مكان فيه لمن هو راضٍ بما هو عليه. في العالم الآخر متسابقون نحو الأفضل والأرقى والأصلح. وفي عالمنا راضون بفتاتٍ في هذه الحياة يرونه قَدَراً لا تأثير منهم فيه.... فتاتٍ من العلم ومن العمل .... ومن الكرامة. ويحسَبون أنهم أحياء.... مؤمنون... فائزون برضا الله... والجنة في انتظارهم..... وطوبى لنا.


2009.12.29

ملوك الهوان

ملوك الهوانramses2mummy.png

علناً، تحت الأضواء وبأعلى صوت، مصر شريكٌ كاملٌ لإسرائيل في حصار غزة وتجويع أهلها وقتل المرضى من أطفالها ونسائها ورجالها. تغلق المنافذ إليها وتغرق أنفاق العيش، وتمنع المشفقين على أهلها من الوصول إليهم. مصر تفعل ذلك لتركيع شعبها وتقديمه قرباناً للعدوّ، عله يرضى.

للنظام المصري في مسعى الهوان دور الريادة والقيادة، ولقادتها في استكبارِ فرعون وطغيانه المثل حين توعّد من آمنوا بربهم من دون أن يأذن لهم قائلاً: "فلأقطّعَنَّ أيديَكم وأرجُلَكم من خلافٍ ولأصلّبنَّكمْ في جذوعِ النخلِ، ولتعلَمُنّ أيّنا أشدُّ عذاباً وأبقى" (طه 72).

سبحان الله. عدو موسى بالأمس حليف يهود اليوم.

في أبيات من قصيدته ‘إذا اعتاد الملوك على الهوان’ يخاطب تميم البرغوثي الإثنين معا:

فنادِي المانعين الخبزَ عنها ومَن سمحوا به بعد الأوان

وذكِّرْهم بفرعونٍ سمينٍ كثيرِ الجيشِ معمورِ المباني

له لا للبرايا النيلُ يجري له البستانُ والثمرُ الدواني

نحاصَرُ من أخٍ أو من عدوٍّ سنَغلبُ وحدَنا وسيندمان

سنغلب والذي جعل المنايا بها أَنَفٌ من الرجلِ الجبان

كأن الموتَ قابلةٌ عجوزٌ تزورُ الحيَّ مِن آنٍ لآنِ

نموت فيكثُر الأشرافُ فينا وتختلِط التعازي بالتهاني

كأن الحربَ للأشرافِ أمٌّ مشبَّهةُ القساوةِ بالحنان

لذلك ليس تُذكرُ في المراثي كثيراً وهي تُذكر في الأغاني

سنَغْلِب والذي رفع الضحايا من الأنقاضِ رأساً للجِنان

رماديون كالأنقاضِ شُعْثٌ تحدِّدهم خيوطُ الأرجوان

يدٌ ليدٍ تسلّمهم فتبدو سماءٌ ثَمّ ترفعها يدان

يدٌ ليدٍ كمعراجٍ طويلٍ إلى بابِ الكريمِ المُستعان

يدٌ ليدٍ وتحت القصف فاقرأ هنالك ما تشاء من المعاني

نقاتلهم على عطشٍ وجوعٍ وخِذلانِ الأقاصي والأداني

نقاتلهم كأن اليوم يومٌ أخيرٌ ما له في الدهر ثاني

بأيدينا لهذا الليلِ صبحٌ وشمسٌ لا تَفِرُّ من البَنان

بيانٌ عسكريٌّ فاقرؤوه فقد خَتََم النبيُّ على البيان

2009.12.26

جدران الموت

جدران الموت

كانت مصرالسَّنَد والعمق للّيبيين إبّان فترة الاحتلال الإيطالي لليبيا. إليها هاجروا وبمدارسها وأزهرها تعلّموا. تبادلوا مع إخوتهم المصريين السلع والمنتجات الزراعية والحيوانية بما يكفي لسدّ الرمق في تلك الحقبة العصيبة. وكانت مصر مصدرا لتموين المجاهدين وملجئاً لمن ضاقت بهم السبل. لذلك، ولكي تُحكم قبضتها على ليبيا والليبيين، لجأت إيطاليا إلى إنشاء حاجز من الأسلاك الشائكة يقطع شريان الحياة والجهاد في برقة مع مصر.

وكذلك لجأ الاحتلال الإسرائيلي إلى بناء جدار فاصلٍ خانقٍ سارقٍ للأرض في الضفة الغربية من فلسطين، سيكون أداة تجويع متى انقشعت سلطة عباس ـ دايتون ـ بلير عن الضفة.

ونسمع هذه الأيام عن جدارٍ ـ فولاذيٍ هذه المرة ـ يُبنى بين مصر وفلسطين، يقطع شريان حياة الفلسطينيين في غزة ويُحكم حصار التجويع الإسرائيلي عليها. سيكون طبيعياً أن تبني إسرائيل هذا الجدار على الجانب الفلسطيني من الحدود، تماماً مثلما كانت إيطاليا هي من أقام الحاجز على الجانب الليبي المحتل.

ولكن مصر هي التي تقوم ببناء جدار الموت هذا. مصر تسدّ أبواب الأقوات تحت الأرض مثلما سدّتها فوقها.

ماذا يتوقع الليبيون الآن (والسودانيون) إذا ما أدّت بهم الحاجة ـ لا سمح الله ـ إلى انتظار العون من مصر؟

هل غاب العقل تماماً بعدما غاب الإسلام والعروبة والأخلاق؟

 

2009.12.22

وبعد الممات

وبعد الممات

تقع المنستير في وسط البلاد التونسية، على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. ويعود تاريخها إلى العصر الفينيقي.

أشهر معالمها الرباط الكبير الذي أسسه هرثمة بن الأعين، والي الخليفة هارون الرشيد، سنة 180 هجري.

وتلفت النظر مقبرة المدينة التي تقع في وسطها، وتتميز بالعديد من القباب البيضاء لأضرحة أولياء صالحين (مرابطين)، أشهرهم سيدي عبد الغني. وعلى طرف من المقبرة يقع ضريح الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة وابن مدينة المنستير نفسها. لننظر إلى ثلاث صور، للمقبرة ولمقام سيدي عبد الغني وضريح بورقيبة:

Cemetry Monastir.jpg

 

Sidi Abdel Ghani.jpg
Burgiba b.jpg


الرئيس لدى أمة العرب وأمم أخرى في عالمنا اليوم يُمجَّد صباح مساء ليس لإنجازاته في استرجاع أرضٍ وحقوقٍ وردِّ ظلمٍ ورقيٍّ بالأمة ومكانتها بين الأمم، ولكن لأنه الرئيس. يكفي أن يصبح الشخصُ صاحبَ الفخامة أو صاحبَ غيرِ ذلك مما تهوَى نفسُه لكي يصنع لنفسه مقاماً لا يدانيه مقام بشرٍ سواه. ويأتي من ورائه تابعوه وتابعو تابعيه من مزايدين ومهرجين وحُذّاق يلوّنون ويلمّعون ويطرّزون صورةً تُسكر صاحبها وترتفع به فوق السحاب. ذلك مفهوم ومقبول، للأسف، لدى عموم الأحياء.

ضريح الرئيس في الصور التي أمامنا اختار موقعَه وبناه الرئيس نفسُه قبل وفاته بسنوات عديدة. وهكذا نراه اليوم متعالياً، ببنائه الشامخ وساحته الفسيحة، بين قبور العباد بمن فيهم من أولياء وصالحين وشهداء... ينتصب مستكبراً قائلاً بصوت صارخ أنه الأكبر والأبهى. لعلّ الأموات يسمعونه مثلما سمعه الأحياء، فساكنه هو الرئيس.


2009.12.11

العمى

 

العَمىwho_are_the_terrorists_by_benheine.jpg

الـ بي بي سي وأجهزة الإعلام الإسرائيلية تتناقل أخبار بناء جدار حديدي فاصل بين مصر وقطاع غزة. الجدار سيكون بعمق 18 متراً، وقد صمّمه سلاح الهندسة بالجيش الأمريكي ويتم تركيبه تحت إشرافه. والغرض من هذا الجدار هو منع التهريب إلى قطاع غزة، أو إن شئنا الدقة تشديد الخناق الإسرائيلي على أهل غزة.

اللافت في هذه الأخبار أنها غائبة عن أجهزة الإعلام العربية في عمومها، ومن قناة الجزيرة على وجه الخصوص. قناة الجديد اللبنانية استثناء بارز. أما الحكومة المصرية فنجدها متخفية وراء صمت تحسبه يحول دون فضح الدور الذي تلعبه والمعسكر الذي تنتمي إليه منذ اتفاقيات كامب ديفيد من دون حياءٍ أو ندم... أو غضبٍ شعبي يشبه من بعيد ذلك الذي شهدناه لخسارة مباراة في كرة القدم.

ما هي قصة الجدار المصري المحاصِر لغزة؟

فيما يلي بعضٌ مما نقرؤه في مقال لروجر هدجكوك في وورلد نت ديلي بتاريخ 7 إبريل 2008:

العنوان: "بوش يبني سوراً ـ في مصر !!"

"أعلنت وزارة الخارجية مؤخّراً أن الولايات المتحدة ستخصص مبلغ 23 مليون دولار لمصر بغرض المساعدة في بناء سور بين مصر وغزة! أكثر من ذلك... لقد التزم الإعلان بتقديم سلاح مهندسي الجيش الأمريكي المساعدة بتقنيات الكشف عن الأنفاق للمساعدة في منع المهربين الفلسطينيين من العبور تحت خط الحدود.

وصفت التقاريرُ الصحفية التقنيةَ الجديدة لاكتشاف الأنفاق المحمولة على ‘مركبات جوية غير مأهولة’، التي تعرفت على نفق للمهربين تحت خط الحدود [مع المكسيك] بأريزونا في شهر 8/2006. لم يسمع بهذه التقنية أحد منذ ذلك الحين، لم يسمع بهذه التقنية أحد منذ ذلك الحين، إلا أنها ستُستخدم في مصر الآن على ما يبدو.

...... لقد وضع الكونجرس وضع شرطاً على المساعدة العسكرية الأمريكية [لمصر] لهذا العام يقضي بأن يتبيّن لوزير الخارجية أن مصر قد اتخذت إجراءات ملموسة لكي "تكتشف وتدمّر شبكة وأنفاق التهريب المؤدية من مصر إلى غزة". وعزّز الكونجرس موقفه هذا بمنع دفع مبلغ 100 مليون دولار من قيمة المساعدة العسكرية التي تبلغ 1.3 مليار دولار إلى حين يتحقق وزير الخارجية من ذلك.

وقد ردّت مصر بأنه لا توجد لديها القدرة على "اكتشاف" الأنفاق تحت خط الحدود مع غزة. وعندها خصصت إدارة بوش مبلغ 23 مليون من أموال المساعدة العسكرية لكي تُستخدم أكثر تقنيات اكتشاف الأنفاق تقدّما، وهي التي تم تطويرها مؤخرا بواسطة القوات الأمريكية، على حدود غزة."

انتهى الاقتباس من التقرير.

لا الدين ولا الأخلاق ولا سوء المنقلب المحتّم تمنع من باعوا أنفسهم إلى الشيطان بحفنة من الدولارات من التمادي في غيّهم. وسينقلبون.

 

2009.12.07

فقاعات

 

فقاعاتbubbles-787598.jpg

راج في دوائر الاستثمارات العالمية، منذ بضع سنوات، أن لدى إمارة دبي مشروعاً لبناء مطاعم ومتاحف ومراكز ترفيهية معلَّقةٍ ببالونات مملوءة بغاز الهيليوم، وأنه سيتم احتواء كل تلك المباني والبالونات داخل فقاعة. ربما كانت تلك الرواية غيرَ صحيحة، ولكنها انطلت على الكثيرين. ولا لوم على ذكاء من صدّقوا، فهذه إمارة جزيرة النخيل وأطول أبراج العالم والتزحلق على الجليد في لهيب الصحراء.

رأى الكثيرون في قصة دبي قصةَ نجاح فريدة في وطنٍ كبيرٍ مصرٍّ على الفشل في كل شيء. كانت دبي، ولا تزال، أمنيةَ المبهورين بأبراجها وفنادقها وأسواقها وملاهيها، وإذا بالأنباء تدوّي عبر بورصات العالم بأزمة مالية دبيانية كبرى، فأكبر مؤسسات دبي الاستثمارية عاجزة عن الوفاء بسداد ديونها! هل قصةُ دبي شقيقةٌ لغيرها من قصص الفشل العربية؟ وهل في أسباب الفشل، في مختلف أقطاره، ما هو مشترَك؟

إمكانيات المشيخات، بكل مسمّياتها، مكرسةٌ لتحقيق أحلام شيوخها. وإن اتسعت دوائر الأحلام فهي لن تتسع لغير الأسرة أو القبيلة أو الفئة. هذا أحلامه نارية وذاك أحلامه دموية وثالث يحلم بأبراج وفقاقيع، وقليل المال والحيلة منهم يحلم أن يكون، وأبناؤه من بعده، كبيرَ الخدم لدى أباطرة العالم.

ليس في برامج هذه المشيخات بناء وخدمة الإنسان، الذي هو الهدف الأسمى لكل بناء... وأداته. لذلك نرى الجيوش والمشاريع والإنشاءات المبهرةَ، جميعَها، تظهر على حقيقتها بعد حين: فقاعات فشل.

ليس فيما نراه ما ينفع الناس. جُلُّه إن لم يكن كلّه زَبَدٌ سيذهب جُفاءً. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.


2009.11.21

ملهاة زمن الانحطاط

ملهاة زمن الانحطاط

في أخبار اليوم أن السيد سليم الحص يطالب العرب بالوحدة حتى يكون لهم ثقل دولي! قلت خرِّفْ.

يبدو أن السيد الحص غير متابع لأخبار قضية العرب الجديدة: كرة القدم. sd2xea.jpg

كانت قضية العرب الأولى في يوم من الأيام هي "تحرير فلسطين"، وتبدّلت إلى "إزالة آثار العدوان". وبعد التسليم في كامب ديفيد أصبحت القضية هي إحلال السلام بين الذئب والخراف. لقد أصبحت ‘عملية السلام’ الشغلَ الشاغل لحكومات سلّمت بحق اليهود فيما اغتصبوه من أرض فلسطين، وتنصّلت من قضية اللاجئين وما تبقى من فلسطين ومن القدس نفسها، فهذه كلها شؤون فلسطينية متروكة لسطلة عباس يصل بشأنها إلى تسويةٍ بوساطة مصرية وصمت الرضا من أخواتها العربيات.

مصر التي فرّطت في أرض فلسطين باعترافها بإسرائيل، ولا تريد تذكيراً بما يحلّ بالأقصى، وتشارك العدوّ في حصار الشقيق، أصبحت لديها ـ بعد موت ‘العملية السلمية’ ـ قضيةٌ جديدة؛ هي كرة القدم. تمّ رُبط ترشح مصر لكاس العالم بمكانتها بين الدول وكرامتها وعظمتها وحضارتها الموغلة في القدم وزعامتها للأمة من حولها. وحُرّك الإعلام محرضاً ومؤجّجاً لمشاعر القطيع، لعلّ المصريين يتلهّون بكرة تتقاذفها أقدام اثنين وعشرين لاعباً نحو شبكة نُصبت في هذا الطرف من الميدان أو ذاك، عن فساد قلّ مثيله، وإذلال على يد العدوّ، وتوريثٍ لمصر نفسها من والد إلى ما ولد. كان يُخطّط لمصر أن تعيش في وهم انتصار بالترشح ومن ثَمّ ترقّبٍ لانتصارات مقبلة في جنوب أفريقيا. لم نر في مصر أو الجزائر (أو في ضفة عباس) هذا الهيجان البشري في الحرب المجنونة على غزة ولا في غزو العراق أو حرب لبنان. لم يخرجوا ضدّ قمع أو فساد أو خيانة، ولكنهم خرجوا للكرة.

لقد انحدرت مصر، في سبيل التعويض عن الفشل في التنمية والتطوير الاجتماعي والأخذ بأسباب الهيبة بين الأمم، إلى مستوى رعاع كرة القدم الذين تعرفهم الملاعب في أنحاء العالم. لعلّ ذلك يلهي الجماهير عن فقرٍ مدقع وثراءٍ فاحش وفسادٍ مستشرٍ وتوريثٍ لما لا يُورّث.

وكذلك هو الحال بالنسبة للنظام في الجزائر ـ توأم مصر في الترتيب 111 في قائمة الفساد في العالم. لعلّ ركلةً للكرة من قدم عنتر تلهي شعب الجزائر عما هو فيه.


2009.10.24

حالة الطبيعة

حالة الطبيعة

يصوّر فيلسوف القرن السابع عشر توماس هوبز كيف تكون الحياة من دون حكومة، وهي حياة يسميها ‘حالة الطبيعة’. من حق كل شخص في تلك الحالة، ومباحٌ له، أن يضع اليد على كل شيء أمامه، ممّا يؤدي إلى الصراع حتما؛ إلى "حرب الجميع ضد الجميع"، وبالتالي إلى حياة "مقفرةٍ، فقيرةٍ، قبيحةٍ، متوحشةٍ وقصيرة".

كذلك تكون الحياة من دون حكومة في نظر هوبز. وكذلك هي بكل تأكيد إذا ما تضافر غياب الحكومة مع غياب الواعز والرادع الداخلي من دين أو ضمير أو خلق.. لنسمّه كيف نشاء.

الحكومة سلطة تملك الأدوات لتطبيق القانون بما يشمله من تنظيم للعلاقات وتحديد للحقوق، بغض النظر عمّن يضع القانون. وحين تتقاعس الحكومة عن دورها هذا، ألا تعود نفس ‘حالة الطبيعة’ هذه، ونجد ‘الحكومة’ نفسها ـ وبما تملك من أدوات ـ قد انصرفت إلى ممارسة ‘الحق’ في وضع اليد على كل شيء، وتصبح الحياة، كما هو الحال في غياب الحكومة: "مقفرةً، فقيرةً، قبيحةً، متوحشةً وقصيرة"؟

 

1 2 3 4 5 6 7 8 Next